|
القاهرة 01 يوليو 2025 الساعة 09:58 ص

قصة: بشرى أبو شرار
أقف على ناصية الطريق من ساعة صبح لم تكتمل إشراقة شمسه، كلٌّ يمضي حيث وجهته، تصلني أصوات فتح أبواب المحلات، كلٌّ يرنو إلى يوم كما يتمناه قلبه، عربات الباعة الجائليين لا تتوقف على مدار الوقت، يقف أمامي رجل بدراجته النارية وقد ثبت عليها صندوق حديدي يحمل بقايا أدوات قديمة، مقاعد وقد تقشرت أخشابها، رفوف متهالكة، لا زال على وقفته وأنا أرقب المارة الذين يلقون في صندوقه بقايا خردة قديمة، ظهر لي بين بقايا خشبية مهشمة كتاب وحيد مال على حافة الصندوق الحديدي حيث أقف، صار الكتاب الأشد قربًا مني، هو وجهها الذي يسكن كتابًا أسكنته رفوف مكتبتي منذ سنوات، كيف لي أن أنسى "هيباتيا"؛ شعرها الذهبي، جمال ملامحها، هي فيلسوفة الإسكندرية، الكتاب الذي يميل نحوي ذهبي باهت، كتب عليه "رواية" اقتربت منه أكثر هي رواية "عزازيل" ليوسف زيدان الرجل لا زال يجلس على مقعد دراجته النارية، اقتربت منه:
_ هل لي أن أشتري هذا الكتاب؟
_ نعم، لك ما تريدين.
أخذت الرواية، صارت بين يدي، أرتقي درجات البيت "هيباتيا" تسكن روحها مكتبتي وعقلي، أقلب في الكتاب وقد كتب على غلافه الخلفي الأستاذ "سامي خشبة " "د. جابر عصفور" "المطران يوحنا جريجوريوس " أقرأ كلماتهم لأبدأ رحلتي من عالم "عزازيل" الحروف تأخذني بعيدًا:
"ما أنا إلا ريشة في مهب الريح، من أين أبدأ تدويني ؟... قد تكون البداية، النهاية، وكلاهما خط مستقيم، ولا خطوط مستقيمة إلا في أوهامنا أو في في وريقات نسطر فيها ما نتوهمه، وحياة نعيشها، تمتلىء وتنتهي بالموت أو نعود إلى نقطة البداية " .
غربة لا تتوقف تعصف بي في مدن المنافي البعيدة، كل ما في الإسكندرية عجيب ومختلف.
"قتلوا هيباتيا على مرأى سكان المدينة ولم يعاقبوا، كيف لي أن أذهب للإسكندرية بعدما رأيته منها وعرفته عنها!...".
كان يريد أن يلقي بنفسه حول ما تبقى من جسد هيباتيا ليحتضنه، لعله يدرك بقية من النار التي احترقت بها فيموت معها متطهرا، يلوم نفسه لأنه كان متخاذلا عن إغاثة " هيباتيا " وقد مدت ذراعها نحوه، أصداء صرخات "هيباتيا " لا تزال تملأ سماء الإسكندرية تسكن أمواج البحر، لم يستطع أن ينسى كيف جروا هيباتيا وكيف تقشر جلدها عن لحمها وتنسلت أعضاؤها، كيف أضرموا النار فيها عند أطلال المدرسة المهجورة لتلتهم النار جسدها أقرأ من صفحاتها:
"مضيت هائما مذهولا من الإسكندرية إلى غير رجعة، مضيت وحيدًا والمدينة صارت موطنا للأشباح، هل ألقي بجسدي على الجمر المتبقي من جسد هيباتيا فأحتضنه، علي أدرك بقية من النار التي احترقت بها فأموت معها متطهرا من خنوعي الثاني، يوم قتل أبي خنعت لأني كنت صغيرا ولا حيلة لي، فلماذا خنعت عن إغاثة "هيباتيا " وقد مدت ذراعها نحوي، كيف لي أن أنسى وقفتي المتهالكة المخزية أمام بوابة المعبد وألسنة اللهب تخبو وقد صار جسدها كما بقية الأخشاب، قطعة من فحم أسود، أبي لم يستغث بي لكن "هيباتيا " فعلت، كيف يمكنني العودة إ لى الإسكندرية بعدما رأيته فيها وعرفته عنها، أنا أنكرت هيباتيا أمام قاتليها" .
*** ***
وأنا أدركت ويقين يسكنني أني لا أحب البحر، البحر يزيح عن شواطئه روح الأخضر، فلا يجاوره إلا الصخور، الاسكندرية مدينة الملح والقسوة، فيها يعيش فلاح لا يأكل الحلوى ولا يتكلم اليونانية ولا يعرف هيباتيا، هي عاصمة الملح والقسوة ...
هجعت الطرق المتربة، أرنو إلى البحر وسكون لف موجاته، موج البحر لم يعد يستطيع أن يهمس ويكتب أسماء موتاه كما هيباتيا الجميلة..
بالأمس كتبتك هيباتيا ، هي ساعات قليلة وانقلب الكون على شاطئ الإسكندرية، الموج غادر بحره وصار يضرب بقوة طرقات المدينة ، تناثر الأخضر، وصخور تموء من الوجع، تجلّت قسوة المدينة حين تبعثر ملحها في كل شارع وفي كل بيت، أقف خلف شباك نافذتي لا أستطيع الاقتراب ، الريح تضرب كل ما يقابلها ، كتل ثلجية تترامى في فضاء الإسكندرية، يتبعثر الأبيض منها يلامس طين وبلل، ينداح إلى الأسود ، هي " هيباتيا التي جاءت إليّ على عربة تحمل ما تكسر من بقايا مدينة كانت هي تاج قلبها وروحها، هيباتيا ذهبت عني بحزن الريح وبكاء المطر وندف ثلوج تشدو لها من مرثية حزنها الذي لا زال يملأ مدينة الملح والقسوة، بالأمس غادرت هيباتيا.. غادرت هيباتيا.
|