|
القاهرة 24 يونيو 2025 الساعة 10:38 ص

تأليف: أوجو بيتي
ترجمة: د. شيرين النوساني
اعتاد الطالبُ الّذي يسكنُ في الطابقِ الرّابع، كلّما انسحبَ النهارُ خلفَ ستائرِ الظلامِ، أن يرفعَ عينيهِ المتعبتَيْن نحوَ النافذةِ، ويطوي كتبَه متنهّدًا، ثمّ يخرجَ.
في تلك السّاعةِ، كانت الأرصفةُ تكتظُ بحشودٍ مسرعةٍ، وتتلألأ واجهاتُ المتاجرِ بأنوارها؛ وتتعالى نغماتُ الموسيقى؛ وتظهرُ نساءُ الشّارعِ بعيونهنّ المكحلَة بالسّوادِ. حينئذٍ، تجعلُ أضواءُ المصابيحِ الأهدابَ ترتجفُ، وتبدو جميعُ الوجوهِ شاحبةً، ترتسمُ عليها ابتسامةٌ ساخرةٌ.
أمّا هو، فيسيرُ ببطءٍ، كأنّه مثقلٌ بالخيباتِ، ينزوي جانبًا دونَ أن ينبسَ بكلمةٍ عندما يصطدمُ به أحدٌ، وكأنّه يستحي من هيئتِه الرّثّةِ ووحدتِه. وربّما كانت لتغمرَه مشاعرُ الفرحِ لو لمح وجهًا يعرفُه، أو سمعَ أحدًا يناديْه باسمِه. لكنّه كان غريبًا، لا يعرفُه أحدٌ.
في كلّ مساءٍ، عندَ منعطفِ الطّريقِ، كان يراها:
فتاةً من نساءِ الشّارعِ، بعينينِ زرقاوينِ ساحرتينِ.
لعلّها، هي الأخرى، تسكنُ أحدَ تلك المباني القاتمةِ، ولعلّها، هي الأخرى، لا تخرجُ إلّا مع حلولِ الظلامِ. كانت تبدو صغيرةَ السّنّ، وكأنّها تبالغُ في طلاءِ شفتيها وتكحيلِ عينيها كي تقنعَ الآخرينَ بأنّها لم تعد طفلةً، لئلا يترددَ الرّجالُ في الاقترابِ منها.
في بعضِ الأمسياتِ، كانت عيناها تبدوانِ متوسلتينِ، من خلفِ ذلك الكحلِ الكثيفِ. كان هو يُنسج لها في خياله قصصًا رومانسيّةً، ويتصوّرُ كيفَ تبذلُ جهدًا مضنيًا لتؤدي دورها، وهي تفرغُ كؤوسَ الخمرِ الخضراءَ والصّفراءَ في مقاهي المرفأِ الرّخيصةِ، دونَ أن تُظهرَ اشمئزازًا. كان يراها في خيالِه بتلك العينين الدامعتينِ وثيابِها الحريريّةِ الرّقيقةِ، وسطَ جماعاتٍ من البحارةِ السّكارى وأنفاسِهم يفوحُ منها عبقُ الخمرِ.
"من أينَ أتت؟ وأينَ سينتهي بها المطافُ؟"
ثمّ يقولُ لنفسِه: "وأنا أيضًا، إلى أينَ أمضي؟ وما غايةُ رجائي؟"
عندما تغمره الشّفقةُ تجاهَ نفسهِ، كان يجلسُ على مقاعدِ الحدائقِ الصّغيرةِ، يتأمّلُ أشجارَ الأكاسيَا السوداءِ تحت الضّوءِ الشّاحبِ للمصابيحِ، فلا تبدو له كأشجارَ حقيقيّةٍ، بل وكأنّها أشجارٌ في حلمٍ.
عندها، يشدُّ الطّالبُ على أسنانِه، ويتفكّرُ في دراستِه، وفي اليومِ الّذي سيصبحُ فيه ثريًّا...
كان يصنعُ لنفسِه حياةً ورديّةً في خيالِه. ثمّ، في تلك الحياةِ، تظهرُ نساءٌ جميلاتٌ، بعيونٍ زرقاءَ، متوسّلةٌ.
وكان يلاحظُ، بغضبٍ، أنّه يفكّرُ في تلك الغريبةِ. فيقولُ في نفسِه إنّها، في النّهايةِ، مجرّدُ امرأةٍ ساقطةٍ؛ وأنّه، ذاتَ ليلةٍ، سيأخذُها إلى بيتهِ لليلةٍ واحدةٍ فقط، وكان يعتزمُ أن يعاملَها بقسوةٍ.
لكنّه، في عصرِ أحدِ الأيّامِ الممطرةِ، صادفَها.
(كان ذلك في شهرِ أيار، والمطرُ الدّافئُ الخفيفُ يطرقُ المظلَةَ، وكلُّ شيءٍ يلمعُ، وتظهرُ بقعٌ زرقاءُ في صفحةِ السّماءِ بينَ السّحابِ).
كانت المرأةُ تسيرُ تحتَ زخاتِ المطرِ ممسكةً بيدِ طفلةٍ صغيرةٍ بالكادْ تعرفُ المشيَ؛ وتقولُ لها وهي تضحكُ بصوتٍ أجشّ:
"اركضي، اركضي، فالسّماءُ تمطرُ!"
كانت قطراتُ الماءِ تتلألأُ على جسدِها كأنّها لآلئُ. والطّفلةُ أيضًا كانت تضحكُ، وهي تنظرُ إلى الأعلى، وتركضُ بخفّةٍ؛ كانت ترتدي ثوبًا أبيضَ جميلًا، مزيّنًا بأشرطةٍ، ولها عينانِ زرقاوانِ وضفائرُ ذهبيّةٌ...
عندها، احمرّ وجهُه، وجمعَهما تحتَ مظلتِه.
نظرَ إلى الطفلةِ وسألَ:
"ما اسمُها؟"
"ستيلا. إنّها ابنتي".
سادَ صمتٌ قصيرٌ.
قال: "انظري، بدأ الجوُّ يصفو..."
وصلا إلى بابٍ، ثمّ افترقا.
***
مرَّت فترةٌ طويلةٌ، حتّى التقى بها ذاتَ مساءٍ؛ وجدها مجدّدًا في حفلِ عشاءٍ طلابيٍّ، في قاعةِ مطعمٍ شبهِ فاخرٍ، تزدانُ جدرانُه بالمرايا، وتتدلّى الزّهورُ من ثرياتِه، بل وتتبعثرُ على مفارشِ الموائدِ.
كانوا يحتفلونَ بتخرّجِ بعضِهم. وفي اليومِ التّالي، يفترضُ أن يغادرَ معظمُهم إلى أماكنَ غيرِ معلومةٍ، وقد لا يلتقي بعضُهم مجددًا أبدًا. بدا لهم وكأنّ فرحَهم منقوصٌ، فراحوا يشربونَ بنهمٍ، يروونَ الحكاياتِ، ويتظاهرُ بعضُهم بالسكرِ.
وكانت هناك أيضًا مجموعةٌ من الفتياتِ جُلبنَ خصيصًا لهذه المناسبةِ، كنّ خجولاتٍ في البدايةِ، ثمّ ما لبثنَ أن أطلقنَ العنانَ للضجيج، تقفزُن هنا وهناكَ بقبّعاتِهنَ المائلةِ. وكانت أكثرَهنَّ صخبًا هي تلك الفتاةُ، ذاتُ العينينِ الزّرقاويْنِ.
جلسَ هو في الطّرفِ الآخرِ من الطّاولةِ. لكنّها، في تلك اللّيلةِ، بدت كأنّها نسيتْ كلّ شيءٍ، حتّى طفلتَها، الّتي تُدعى ستيلا. كانت تشربُ، وتصرخُ، وتلقي بقطعِ الخبزِ، وكأنّها تتوقُ إلى تحطيمِ شيءٍ ما، إلى إهدارِ نعمةِ الحياةِ.
كان الجميعُ يحاولونَ إحداثَ ضوضاءَ. تحطّمَ كأسٌ. كان بعضُهم قد أسرفَ في الشّربِ بصورةٍ مفرطةٍ، فثملوا حتّى النّخاعِ. وأخذوا يقرعونَ الصحونَ والكؤوسَ بالسكاكينِ بكلّ قوّةٍ، حتّى طغى الضّجيجُ على الأصواتِ والكلماتِ، وراحوا يهزّونَ رؤوسَهم بإيقاعٍ بدائيٍّ أشبهَ بحركةِ الحيواناتِ.
وفجأةً، انطلقَ صوتُ صراخٍ: لقد جرحتْ نفسها، وسقطتْ قطرةٌ من دمِها على مفرشِ المائدةِ. ثمّ شرعوا يتقاذفونَ قطعَ البرتقالِ المقسمِ، وقد اختاروا منها الحمراءَ التي تتركّ بقعًا لزجةً، كبقعِ الدّمِ.
صرختِ الفتاةُ ذاتُ العينينِ الزّرقاويْنِ من فوقِ الكرسي بصوتٍ أجشَّ.
فأخذَ أحدهم كأسًا مملوءًا بالنّبيذِ وسكبَه على ظهرِها، مزاحًا. فردّتْ برمي كأسٍ زجاجيٍّ تجاهَه. وعمّت لحظةُ صمتٍ، ثمّ سُمعَ صوتُ الزّجاجِ وهو يتحطّمُ على الجدارِ.
وأمسكَ آخرُ بكأسٍ مملوءٍ وألقى بكلّ النّبيذِ في وجهِها. انفجرَ الجميعُ في ضحكٍ هستيريٍّ، وكأنّهم لن يتوقّفوا عن الضّحكِ أبدًا؛ وراحوا يملأونَ الكؤوسَ ويرمونَها عليها، كمن مَسَهُ الجنونُ، وهم يقهقهونَ.
أغلقتِ المرأةُ عينيها، ثمّ خبّأت وجهَها بينَ يديها، قبلَ أن تنفجرَ في البكاءِ. بدأ البعضُ يغادرُ المكانَ بعد أن سكب بعضُهم النّبيذَ على شعرِها.
أصبحتِ القاعةُ خاويةً. وحين دخل الخدمُ، وجدوها في منتصفِ القاعةِ، تشهقُ بالبكاءِ وسطَ بركٍ من النّبيذِ الأحمرِ والزّهورِ الّتي داستها الأقدامُ، مغمورةً بالخمرِ من أعلى رأسِها حتّى أخمصِ قدمَيها.
وعندما هزّوها بعنفٍ ليكشفوا وجهَها، انفجرَ الجميعُ ضاحكينَ: فقد اختلطَ الكحلُ والأصباغُ بالدّموعِ والنّبيذِ، فشكّلوا على وجهِها، بين خصلاتِ شعرِها المتشابكةِ، قناعًا يميلُ لونُه للأحمرِ الدّاكنِ والأسودِ، لم يبقَ نظيفًا سوى عينيها الزّرقاويْنِ.
كانت مبتلّةً تمامًا، كأنّما انتشلتْ للتوّ من بركةِ ماءٍ. فوضعوا خرقةً قاتمةً بين يديها، كانت قبّعتَها المهترئةَ، وطردوها إلى الشّارعِ.
***
في الخارجِ، عند الزّاويةِ، كان الشّابُّ ينتظرُها.
أمسكَ بذراعِها ودفعَها للأمامِ.
"أين تسكنينَ؟"
توقفت، تفكّرُ وكأنّها نسيت كلّ شيءٍ، ثمّ أجابتهُ. وفيما هي تتحسّسُ قميصَها المبتلَ، بدأت تنتحبُ. توقّفت عن السّيرِ أكثرَ من مرّةٍ، تقولُ إنّها لم تعد تريدُ المشيَ، إنّها تريدُ أن تنامَ حيث هي، وأن ترتميَ على الأرضِ ك خرقةُ باليةُ.
"فماذا تكونُ في النّهايةِ؟ ليست سوى خرقةُ باليةُ!"
كانت تقول أنّهم أساؤوا معاملتَها، وتتساءلُ ترى من ظنوها، وهي الّتي تعرفُ أناسًا مهمينَ، ومن بينِهم أيضًا ضباطَ شرطةٍ.
راحت تمسحُ دموعَها بمنديلٍ أشبهَ بخرقةٍ متسخةٍ، وبدا الشّحوبُ يغزو وجهَها شيئًا فشيئًا، بعد أن غسلتْه الدّموعُ. وكلّما نظرتْ إلى رفيقِها الصّامتِ، عادت إلى الأنينِ:
"من سيُعوّضني عن ثيابي الآنَ؟ انظرْ ماذا فعلوا بي!"
"لم يفعلوا شيئًا يذكرْ! كان عليهم أن يدوسوكِ بأقدامِهم!"
عندها تمتمت وسط زفرات البكاء أنّ الجميعَ يكرهونَها، وأنّها تتألمُ هنا، وهناك... وفي كلّ مكانَ، وأنّها لا تريدُ أن تمشيَ، وأنّها تشعرُ بالبردِ...
صعدا سلمًا زلقًا في الظلامِ، وفتحا بابًا خشبيًّا. أشعلَ عودَ ثقابٍ.
"هنا تسكنينَ؟"
راودته رغبةٌ في أن يصفعَها ويسحبَها على الأرضِ. أمّا هي، فقد بدأ النّعاسُ يغلبُها، فشرعت تخلعُ ملابسَها الحريريّةَ الباليةَ بحركاتٍ آليةٍ. وتُردد، وهي تصطكُ أسنانَها:
"ما فعلوه بي ليس عدلًا.. أنا أيضًا مخلوقةٌ من مخلوقاتِ اللهِ.. أنا أشعرُ بالبردِ... لا بدّ أنّي سأمرضُ..."
على المنضدةِ، توهجت شمعةٌ بضوءِ لهبٍ أحمرَ خافتٍ. وانعكس لهبُها الخافتُ في المرآةِ. وكان هناك شيءٌ آخرُ يلمعُ في الظلامِ: مشبكُ شعرٍ مكسورُ.
تكومت المرأةُ بين الأغطيةِ، تحاولُ أن تغطي كتفيها النّحيلينِ وهي ترتجفُ من البردِ. نظر هو إلى كومةِ الملابسِ الملقاةِ على الأرضِ، وهَمَ أن يسأل سؤالًا واحدًا:
"وماذا عن ستيلا؟"
لكنّه لم ينطقْ. حمل المصباحَ، وجال بنظرِه في أرجاءِ الغرفةِ: صورةٌ قديمةٌ في إطارٍ، مشطٌ متسخٌ، بطاقةُ بريديةٌ، زوجٌ من الأحذيةِ الباليةِ.. وفي المرآةِ، رأى ظلّه منحنٍ وهو يحملُ الضّوءَ، ويتحرّكُ ببطءٍ.
عاد إلى جوارِ المرأةِ. أرادَ أن يسألَ: "أين ستيلا؟"
لكنّ المرأةَ كانت قد استغرقت في النّومِ. نامت منكمشةً على نفسها، كأنّما تحاولُ الاحتماءَ من البردِ. كان يبدو عليها أنّها بكت، لكنّها الآن، ربّما، لم تعد تتذكّر شيئًا؛ كانت تتنفّسُ بهدوءٍ.
وصمتٌ عميقٌ غمَر المكانَ.
شدّ على أسنانِه، كأنّه يمنعُ نفسَه من البكاءِ. غطّاها برفقٍ، أطفأ المصباحَ، ثمّ خرجَ على أطرافِ أصابعِه.
|