|
القاهرة 17 يونيو 2025 الساعة 09:33 ص

بقلم: د. هويدا صالح
تمثل استراتيجية "التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030" خارطة طريق وطنية شاملة تتماشى مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وفي صلب هذه الاستراتيجية يبرز تمكين الشباب باعتبارهم فاعلين محوريين في تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة. يستعرض هذا المقال النهج المصري في تحقيق الاستدامة من خلال رؤية 2030، مسلطًا الضوء على المبادرات الموجهة خصيصًا للشباب في مجالات التعليم، والابتكار، والحكم الرشيد، وريادة الأعمال، والانخراط البيئي. ويُجادل بأن قدرة مصر على تحقيق رؤيتها التنموية تعتمد على دمج الشباب مؤسسيًا في عمليات التخطيط والتنفيذ وقيادة سياسات الاستدامة.
أصبحت التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين ضرورة عالمية لا غنى عنها، وليست مجرد خيار سياسي. وبالنسبة لدولة مثل مصر، التي تمتلك كتلة سكانية شابة كبيرة—حيث يشكل من هم دون سن الثلاثين نحو 60% من السكان—تُعد الاستدامة تحديًا مزدوجًا يتمثل في تحقيق النمو المتوازن وتلبية تطلعات الشباب في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
وللإجابة عن هذه التحديات، تم إطلاق "رؤية مصر 2030" في عام 2016 كإطار استراتيجي طويل المدى يهدف إلى تحقيق الرخاء الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. وما يميز هذه الرؤية عن الاستراتيجيات السابقة هو أنها تضع "الشباب" في مركز التنمية المستدامة، معترفة بهم كمحرك رئيسي للنمو والابتكار. يستعرض هذا المقال كيفية تفعيل مصر لمفهوم الاستدامة من خلال رؤية ترتكز على تمكين الشباب.
ـ إطار رؤية مصر 2030 ومحاورها:
تعتمد رؤية مصر 2030 على ثلاثة أبعاد رئيسية: "الاقتصادي"، "الاجتماعي"، و"البيئي"، مدعومة بمبادئ شاملة كالمعرفة، والابتكار، والحكم الرشيد. وتتوافق هذه الأبعاد مع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة، ومنها:
* التعليم الجيد (الهدف 4)
* العمل اللائق والنمو الاقتصادي (الهدف 8)
* الحد من أوجه عدم المساواة (الهدف 10)
* العمل المناخي (الهدف 13)
* السلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف 16)
ويتضمن كل بُعد من أبعاد الاستراتيجية أهدافًا وبرامج موجهة خصيصًا لتلبية احتياجات الشباب وتعزيز قدراتهم.
ـ إصلاح التعليم وبناء مجتمعات المعرفة:
يُعد التعليم أحد أبرز مجالات تمكين الشباب لتحقيق الاستدامة. وقد أدركت الدولة المصرية أهمية "تحويل النظام التعليمي" من التلقين إلى التفكير النقدي والوعي البيئي والمواطنة.
ومن أبرز المبادرات:
ـ نظام التعليم 2.0: إصلاح شامل للتعليم قبل الجامعي يركز على المهارات الحياتية والرقمية.
ـ التعليم الفني والتدريب المهني (TVET): تطويره ليتماشى مع احتياجات السوق، خصوصًا في مجالات الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة والصناعة الخضراء.
ـ المنصات الجامعية الرقمية: تتيح الوصول إلى المعرفة في مجالات مثل علوم المناخ وتحليل البيانات والسياسات البيئية.
تهدف هذه الإصلاحات إلى خلق جيل من المواطنين المدركين لتحديات الاستدامة والفاعلين في مواجهتها.
ـ ريادة الأعمال والشباب والاقتصاد الأخضر:
تضع رؤية 2030 ريادة الأعمال كأداة مزدوجة: لتنوع الاقتصاد وتمكين الشباب، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالاستدامة.
من أبرز البرامج:
"برنامج رواد 2030": يدعم الشركات الناشئة بقيادة الشباب في مجالات التكنولوجيا الخضراء وإعادة التدوير والزراعة الذكية.
"الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والابتكار": تدمج الاستدامة في نماذج الأعمال وتوفر تمويلًا أوليًا للمشروعات الصديقة للبيئة.
"مراكز الإبداع وريادة الأعمال (TIECs)": تقدم تدريبًا وحاضنات أعمال وربطًا بالسوق للمبتكرين الشباب.
تشجع هذه البرامج ثقافة الابتكار الموجه نحو "حلول تنموية مستدامة".
4. المشاركة السياسية والحكم التشاركي
تربط رؤية 2030 بين التنمية المستدامة والحكم التشاركي، حيث يصبح للشباب دور فاعل في صياغة السياسات العامة:
ـ برنامج القيادة الرئاسي (PLP): يعد جيلًا من القادة الشباب في القطاع الحكومي والإداري.
ـ المؤتمرات الوطنية للشباب: منصات حوار مباشر بين الشباب ورئيس الدولة وصنّاع القرار.
ـ وحدات الشباب في الوزارات: تعمل على دمج أولويات الشباب ضمن السياسات القطاعية، بما فيها السياسات البيئية والتنموية.
هذه الآليات تُحول الشباب من متلقين إلى شركاء في صناعة القرار.
5. الوعي البيئي ومشاركة الشباب:
تحتل الاستدامة البيئية مكانة بارزة في رؤية مصر 2030. ويُعتبر "الانخراط البيئي للشباب" أحد ركائز هذا المسار:
ـ مبادرة اتحضر للأخضر: أطلقتها وزارة البيئة لرفع الوعي البيئي بين الشباب حول التغير المناخي والحفاظ على التنوع البيولوجي.
ـ مشروعات من قيادة الشباب: تشمل الزراعة الحضرية، تشجير الصحاري، الطاقة الشمسية، وتقليل استخدام البلاستيك.
ـ الجامعات الخضراء والنوادي البيئية: تنشر ثقافة الاستدامة في الحرم الجامعي.
كل ذلك يُسهم في ترسيخ قيم الحماية البيئية والعدالة المناخية.
6. التحديات والفرص:
رغم الطموح الكبير لرؤية 2030، تواجه المبادرات الشبابية بعض التحديات:
ـ الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في الحصول على تعليم جيد وفرص في الاقتصاد الأخضر.
ـ محدودية التمويل لبعض المبادرات الشبابية.
ـ المقاومة المجتمعية لبعض التحولات الثقافية في العلاقة مع البيئة والمواطنة.
غير أن هذه التحديات تمثل أيضًا فرصًا لتحسين السياسات، وتعزيز الشراكات، وتطوير آليات تمويل داعمة.
وأخيرا، لا تُعد رؤية مصر 2030 مجرد وثيقة تخطيطية، بل هي "رؤية تحولية" تضع الشباب في قلب معادلة الاستدامة. فهي لا تنظر إليهم كمستفيدين فقط، بل كمصممين وقادة للمستقبل.
وبالاستثمار في التعليم، ودعم ريادة الأعمال، وتنمية الوعي البيئي، وتوسيع المشاركة السياسية، ترسم مصر مسارًا يُمكن للشباب من إعادة تخيل مستقبلهم ومجتمعاتهم على أسس مستدامة.
وبهذا تُقدم مصر نموذجًا عربيًا وإفريقيًا لكيفية تفعيل طاقات الشباب من أجل بناء مستقبل أكثر عدالة، وإنصافًا، ومرونة في مواجهة تحديات العصر.
|