|
القاهرة 10 يونيو 2025 الساعة 12:48 م

قصة: عمر أبو القاسم الككلي
إضاءة القاعة لا تتجاوز الحد الذي يمكن الجمهور من تبين الكراسي. الممثلون (وهم ذكور وإناث ومن أعمار متمايزة) يجلسون في القاعة متناثرين (لا يزيد عدد الجالسين متجاورين عن ثلاثة). الستارة مرفوعة والركح في إظلام تام. هناك موسيقا (من نوع المارشات) منخفضة جدا و، بين الحين والآخر، ترتفع، وبشكل مزعج أحيانا، لمدة ثوان.
انبثقت الدقات التقليدية رصينة، وقورة وآمرة فأطفئت، فورا، الأنوار وران الإظلام الكامل لمدة دقيقة. ارتفعت، أثناء ذلك، الموسيقا بمستوى معقول ونهض الممثلون صائحين:
- نعم نعم. نعم نعم. نعم.
أضيء الركح تدريجيا، فانكشف خلوه من أي ديكور واكتساؤه بالسواد من جوانبه كافة. فورا، أخذ الممثلون في مغادرة القاعة والصعود إلى الخشبة. لم يردوا تحية الجمهور وعمدوا، حالا، إلى التحرك على الخشبة معطين انطباعا بأنهم يسيرون في شوارع. كانوا يتحركون فرادى وأصحابا (ليس أكثر من ثلاثة). إيقاع حركتهم كان متباينا وكانوا يعطون، في مختلف حالاتهم وأوضاعهم، انطباعا قويّا بالتجهم والتوتر. لباسهم كان عاديا وألوانه من أكثر الألوان استعمالا (دون أن يكون موحدا) وكانت الإضاءة موزعة على نحو يحول دون ظهور ظلالهم. أحيانا يقف اثنان أو ثلاثة (كما يقف المعارف والأصدقاء الذاهبون في عجلة من أمرهم عندما يلتقون عرضا) ليتبادلوا التحايا والحديث (الذي لم يكن مسموعاً). في بعض الحالات يقترب أحد من المتحدثين فيبترون لقاءهم ويتفرقون مسرعين. تعلو الموسيقا، فيتنبه الجميع. وعندما تخفت يهتفون:
- نعم نعم. نعم نعم. نعم.
لم يكن علو الموسيقا يستمر طويلا. لكنه يتكرر على نوبات قصيرة متتالية مفصولة، في كل مرة، بهتاف: نعم نعم. نعم نعم. نعم. وكانت مدة الهتاف تستغرق،أحيانا، مدة أطول من مدة نوبة علو الموسيقا.
فور عودة الموسيقا إلى وضعها العادي كنا نسمع، هنا وهناك، نعمـ(ـات) أقل حماسا وارتفاعا، ونشاهد البعض يتبادلون الهمس بسرعة واختلاس واضحين.
عقب كل نوبة من هذه النوبات، كانت تمكن ملاحظة زحف الجدار الخلفي للركح إلى الأمام قليلا.
عندما بلغ الجدار الخلفي للركح وسط الخشبة، انقطع الهتاف الذي اعتدناه يتبع نوبات علو الموسيقا وصارت تند عن البعض، متبادلة فيما بينهم، كلمة: لا. لا. وتزداد حالات الاقتراب من المتحدثين. بعد كل نوبة علو في صوت الموسيقا غير متبوعة بهتاف النعمـ(ـات) تخفت الإضاءة بما يوحي بالليل لنرى أفرادا يقودهم (أو يدفعهم) أفراد آخرون (لا يوجد تمييز في مظهر الفريقين) بعنف، وتتناهى، من خارج الركح، على نحو خافت، صرخات..
يستمر، في هذه الأثناء، زحف الجدار. ومن ناحية أخرى، يأخذ بعد كل نوبة من هذه النوبات الأخيرة، عدد الذين يتبادلون كلمة لا ويجهرون بها يزداد (ولكن دون أن تتحول إلى هتاف) والحذر ينقص وكذلك حالات الاقتراب من المتحدثين، وتأخذ حالات الاقتياد تتناقص حتى تتوقف، ويلحظ الظهور التدريجي لظلال الممثلين.
عندما غيب الجدار الخلفي الزاحف ما يمثل ثلاثة أرباع الركح وراءه، صرنا نشاهد بعض الممثلين يأخذون في الضحك عقب كل نوبة علو للموسيقا. ومع ازدياد تقلص المساحة أخذ عدد الضاحكين يتزايد وكذلك قوة الضحك الذي يبدو- تماما كالصرخات المتناهية من خارج الركح- لا إراديا.
لما شارفت المساحة بين الجدار الزاحف وموقع الستارة الأمامية للركح على الانعدام، شرع الممثلون (الضاحكون منهم فقط، وهم أغلبية) ينزلون إلى القاعة (مستغرقين في الضحك). بعضهم جلس على أقرب كرسي شاغر صادفه وبعضهم تخير أماكن قصية في حين ظل البعض الآخر يتمشى بين الصفوف.
تواصل الضحك إلى أن علت الموسيقا، عندها وقفوا صائحين:
- لا لا. لا لا. لا. لا.
أُطفئت إضاءة الركح وأنزلت الستارة وصمتت الموسيقا.
|