|
القاهرة 03 يونيو 2025 الساعة 10:31 ص

تأليف: لُويجي بيراندلّو
ترجمة: د. شيرين النُّوساني
قَلِيلُونَ هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ سَيُكْتَبُ لَهُمْ، بَعْدَ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْآنِ، رُؤْيَةُ نَهْضَةِ رِيجِّو وَمِيسِّينَا مِنْ جَدِيدٍ، مِنْ بَعْدِ الْكَارِثَةِ الْمُرْوِعَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمَا فِي 28 دِيسَمْبَرَ 1908. لَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَتَخَيَّلُوا أَبَدًا وَقْعَ الْمَشْهَدِ آنَذَاكَ، حِينَ يَمُرُّ الْمَرْءُ بِالْقِطَارِ، بَعْدَ بَضْعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْكَارِثَةِ، فَتَتَبَدَّى لَهُ، مَا بَيْنَ خُضْرَةِ غَابَاتِ الْبُرْتُقَالِ وَاللَّيْمُونِ الْوَارِفَةِ، وَزُرْقَةِ الْبَحْرِ الْهَادِئَةِ، الْمَنَاظِرُ الْمُفْجِعَةُ لِأَطْلَالِ الْقُرَى الْأُولَى، وَجُدْرَانِهَا الْمُتَهَدِّمَةِ وَبُيُوتِهَا الْخَرِبَةِ.
لَقَدْ مَرَرْتُ مِنْ هُنَاكَ بَعْدَ بَضْعَةِ أَشْهُرٍ، وَسَمِعْتُ مِنْ رُفَقَاءِ رِحْلَتِي شَكَاوَى عَنْ بُطْءِ عَمَلِيَّاتِ رَفْعِ الْأَنْقَاضِ، وَرَوَوْا لِي قِصَصًا كَثِيرَةً عَنْ حَوَادِثَ مُرَوِّعَةٍ، وَعَمَلِيَّاتِ إِنْقَاذٍ تَكَادُ تُعَدُّ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَمِنْ أَعْمَالِ الْبَطُولَةِ الْخَارِقَةِ.
كَانَ هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الْمَقْصُورَةِ مِنَ الدَّرَجَةِ الْأُولَى، رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، بَدَا أَنَّهُ يُصْغِي بِاهْتِمَامٍ خَاصٍّ لِكُلِّ مَا يُرْوَى عَنْ قِصَصِ الْبَطُولَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ، بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالأُخْرَى، وَفِي أَكْثَرِ لَحَظَاتِ الرِّوَايَةِ إِثَارَةً وَتَأْثِيرًا، كَانَ يَرْتَعِشُ فَجْأَةً، وَيَرْتَجُّ جَسَدُهُ النَّحِيلُ الْمُضْطَرِبُ، وَيُطْلِقُ هُتَافًا يُثِيرُ أَعْصَابَ الْكَثِيرِينَ، لِأَنَّهُ، كَمَا يَبْدُو، لَا يَلِيقُ بِأَعْمَالِ الْبَطُولَةِ الَّتِي يَرْوِيهَا الرُّفَقَاءُ.
فَإِنْ كَانَ الْبَطَلُ رَجُلًا، صَاحَ بِتِلْكَ الرَّعْشَةِ الْغَرِيبَةِ:
— تَعِيسَ الْحَظِّ!
وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً، صَاحَ:
— تَعِيسَةَ الْحَظِّ!
فَمَا كَانَ مِنْ شَابٍّ، طَالَ صَمْتُهُ، وَرَاحَ صَدْرُهُ يَنْتَفِخُ بِالْغَيْظِ، إِلَّا أَنْ قَالَ لَهُ، فِي النِّهَايَةِ:
— عُذْرًا، وَلَكِنْ... لِمَاذَا تَقُولُ ذَلِكَ؟
فَمَا إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ السُّؤَالَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُهُ مُنْذُ زَمَنٍ، حَتَّى انْدَفَعَ بِوَجْهِهِ الْمُصَفَّرِّ مِنَ الْغَيْظِ، وَأَطْلَقَ ضَحِكَةً عَصَبِيَّةً وَقَالَ:
— لِمَاذَا؟ تَسْأَلُ لِمَاذَا! السَّبَبُ أَعْرِفُهُ أَنَا، يَا سَيِّدِي الْفَاضِلُ! أَنْتَ مُسْتَاءٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ مُسْتَاءٌ لِأَنَّكَ، لَوْ كُنْتَ حَاضِرًا أَثْنَاءَ الْكَارِثَةِ، وَسَحَقَكَ عَمُودٌ أَوْ قِطْعَةُ أَثَاثٍ أَوْ جِدَارٌ كَالْفَأْرِ، لَكُنْتَ أَنْتَ أَيْضًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ هَذَا؟ أَنْتَ أَيْضًا كُنْتَ سَتَصْبِحُ بَطَلًا، كُنْتَ سَتَنْقِذُ... مَاذَا أَقُولُ؟ فَتَاةً مَثَلًا؟ خَمْسَةَ أَطْفَالٍ صِغَارٍ، وَرُبَّمَا ثَلَاثَةَ عَجَائِزَ؟ مَا رَأْيُكَ فِي كَلَامِي؟ هَلْ أَتَحَدَّثُ بِأُسْلُوبٍ بَطُولِيٍّ؟ قُلِ الْحَقِيقَةَ...
لَكِنْ، يَا سَيِّدِي الْعَزِيزَ، يَا سَيِّدِي الْعَزِيزَ، أَتَظُنُّ أَنَّكَ، بَعْدَ بَطُولَاتِكَ السَّامِيَةِ الْمَجِيدَةِ، كُنْتَ سَتَظَلُّ أَنِيقًا مُهَنْدَمًا كَمَا أَنْتَ الْآنَ؟ لَا، أَتَعْرِفُ! لَا، لَا تَظُنَّ ذَلِكَ، يَا سَيِّدِي الْعَزِيزَ! كُنْتَ لِتَصْبِحَ مِثْلِي، مِثْلِي تَمَامًا. أَتَرَانِي؟ كَيْفَ أَبْدُو لَكَ؟ أَرْكَبُ الدَّرَجَةَ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ أَهْدَوْنِي تَذْكِرَةً مَجَّانِيَّةً فِي رُومَا، لَا تَظُنَّ غَيْرَ ذَلِكَ.. أَنَا فِي الْحَقِيقَةِ رَجُلٌ تَعِيسُ الْحَظِّ! وَقَدْ تَكُونُ أَنْتَ أَيْضًا مِثْلِي تَمَامًا! فَلَا تُضْحِكْنِي.. تَعِيسَ الْحَظِّ! تَعِيسَ الْحَظّ!
ثُمَّ أَمْسَكَ ذِرَاعَيْهِ الِاثْنَتينِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَتَدَاعَى جَسَدُهُ، مُتَجَهِّمًا، مُرْتَعِشًا، فِي زَاوِيَةِ الْعَرَبَةِ، وَكَأَنَّ ذَقَنَهُ قَدْ غَاصَ فِي صَدْرِهِ.
وَكَانَ نَفَسُهُ يُصَفِّرُ مِنْ أَنْفِهِ، وَسَطَ شَعر لِحْيَتِهِ السَّوْدَاءِ الْكَثِيفَةِ، المٌهمَلةِ،، المنقطة الشَّيْبُ.
بُهِتَ الشَّابُّ، ثُمَّ الْتَفَتَ يَجُولُ بِنَظَرِهِ بِابْتِسَامَةٍ باهتة، بَيْنَمَا بَقِينَا نَحْنُ فِي صَمْتٍ، كَيْ نُرَاقِبَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّفِيقِ الْغَرِيبِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، انْتَفَضَ ذَلِكَ الرَّجُلُ كَأَنَّ الْمَرَارَةَ الَّتِي كَانَتْ تَغْلِي فِي جَوْفِهِ قَدْ عَادَتْ لِتَثُورَ مِنْ جَدِيدٍ؛ ثُمَّ أَطْلَقَ ضَحِكَةً سَاخِرَةً كَسَابِقَتِهَا، وَهُوَ يَحُدِّقُ بِنَا جَمِيعًا فِي الْعُيُونِ، ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ الشَّابِّ وَكَانَ عَلَى وَشْكِ اسْتِئْنَافِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ هَبَّ وَاقِفًا عَلَى حِينِ غَرَّةٍ، وَقَالَ لَهُ:
— أَتُرِيدُ مَكَانِي؟ هُوَ لَكَ، خُذْهُ! اجْلِسْ هُنَا!
فَأَجَابَهُ الشَّابُّ، وَقَدِ ازْدَادَ ذُهُولًا:
— لَا... وَلِمَاذَا؟
قَالَ لَهُ الرَّجُلُ:
— لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَحْدُثُ، تَصَوَّرْ مَاذَا؟ أَنْ يَعْتَرِضَ الْمَرْءُ حِينَ يَتَحَدَّثُ أَحَدُهُمْ، لَيْسَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقْتَنِعٍ بِحُجَّتِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ يَجْلِسُ فِي مَقْعَدِ الزَّاوِيَةِ! لَقَدْ لَاحَظْتُ أَنَّكَ تُحَدِّقُ بِي مُنْذُ مُدَّةٍ؛ تُرَاقِبُنِي وَتَحْسُدُنِي لِأَنِّي أَجْلِسُ هُنَا، فِي وَضْعٍ أَكْثَرَ رَاحَةً، بِالْقُرْبِ مِنَ النَّافِذَةِ، وَأَتَكَأُ عَلَى هَذَا الْمِسْنَدِ الْقَذِرِ. هَيَّا، اعْتَرِفْ.. الْجَمِيعُ، خَاصَّةً فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، يَحْسُدُونَ الْأَرْبَعَةَ الْمَحْظُوظِينَ الَّذِينَ يَحْظَوْنَ بِمَقَاعِدِ الزَّوَاوِيَا. تَعَالَ، اجْلِسْ هُنَا، وَلَا تُعَارِضْنِي بَعْدَ الْآنَ.
ضَحِكَ الشَّابُّ، وَضَحِكْنَا جَمِيعًا مِنَ انْدِفَاعِهِ الْمُفَاجِئِ كَمَا الصَّارُوخِ. وَلَمَّا ظَلَّ الرَّجُلُ مُصِرًّا عَلَى الْوُقُوفِ، شَكَرَهُ الشَّابُّ قَائِلًا إِنَّ بِإِمْكَانِهِ الْبَقَاءَ فِي مَقْعَدِهِ الْمُرِيحِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعَارِضُهُ لِذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ الرَّأْيُ فِي وَصْفِ مَنْ قَامَ بِعَمَلٍ بَطُولِيٍّ بِالشَّخْصِ "التَّعِيسِ الْحَظ".
— لَيْسَ لِذَلِكَ، تَقُولُ؟! – تَابَعَ الرَّجُلُ قَائِلًا – إِذًا اسْمَعْ هَذِهِ الْحِكَايَةَ، وَأَرْجُو مِنَ السَّادَةِ أَيْضًا أَنْ يُصْغُوا إِلَيَ. سَأَرْوِي لَكُمْ قِصَّةَ امْرَأَةٍ تَعِيسَةِ الْحَظِّ عَرَفْتُهَا، كَانَتْ زَوْجَةَ أَحَدِ مُفَتِّشِي قِطَارَاتِ السِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ هُنَا. كَانَ زَوْجُهَا دَائِمَ التَّرْحَالِ. أَمَّا هِيَ، فَكَانَتْ مَرِيضَةً مُنْذُ سَنَوَاتٍ، هَزِيلَةً وَعَلِيلَةَ الْجَسَدِ، لَكِنَّهَا امْتَلَكَتِ الشَّجَاعَةَ وَالْقُوَّةَ لِتَنْقَذَ أَبْنَاءَهَا الْأَرْبَعَةَ بِطَرِيقَةٍ... تَخَيَّلُوا! نَزَلَتْ وَصَعِدَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَحْمِلُ طِفْلًا وَاحِدًا عَلَى ظَهْرِهَا، تَتَدَلَّى بِهِ مِنْ مِزْرَابِ خَزَّانِ مِيَاهٍ، مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ إِلَى الْأَرْضِ. حَتَّى الْقِطَّةُ لَمْ تَكُنْ لِتَفْعَلَ ذَلِكَ! عَمَلٌ بَطُولِيٌّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ نَعَمْ، وَأَنَا أَيْضًا أَقُولُهَا الْآنَ: عَمَلٌ بَطُولِيٌّ! وَتَرْقُصُ قُلُوبُكُمْ أَنْتُمْ فَرَحًا. لَكِنْ مَا الْبَطُولِيُّ فِي الْأَمْرِ يَا سَادَتِي؟ هِيَ تَعِيسَةُ الْحَظِّ! تَعِيسَةُ الْحَظِّ! أَتَدْرُونَ كَيْفَ انْتَهَى بِهَا الْمَطَافُ؟ قَدْ بَدَثَ، هَكَذَا، بِهَذِهِ الْهَالَةِ مِنَ الْبَطُولَةِ، بِهَذِهِ الْإِشْرَاقَةِ السَّامِيَةِ، لِزَوْجِهَا، الَّذِي غَمَرَهُ التَّأَثُّرُ وَالْإِعْجَابُ بِبَطُولَتِهَا حَدَّ الْهَوَسِ، وَكَأَنَّهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تَمَامًا، زَوْجُهَا الَّذِي، لِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، بِنَاءً عَلَى نَصَائِحِ الْأَطِبَّاءِ، لَمْ يَكُنْ يُعَامِلُهَا مُعَامَلَةَ الْأَزْوَاجِ لِلزَّوْجَاتِ، بَلْ تَعَامَلَ مَعَهَا مُعَامَلَةَ الْكِلَابِ، فَكَانَ يَنْهَالُ عَلَيْهَا بِالسِّيَاطِ وَبِسَيْلٍ مِنَ السِّبَابِ وَالْإِهَانَاتِ! بَدَتْ فَجْأَةً جَمِيلَةً فِي عَيْنَيْهِ، جَذَّابَةً مُثِيرَةً لِلشَّهَوَاتِ بِشَكْلٍ لَا يُقَاوَمُ. أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّ تِلْكَ التَّعِيسَةَ الْحَظِّ قَدْ لَاقَتْ حَتْفَهَا، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، إِثْرَ إِجْهَاضٍ جَاءَ نَتِيجَةً طَبِيعِيَّةً لِبَطُولَتِهَا السَّامِيَةِ!
عِنْدَ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَالْمُرَوِّعَةِ، هَبَّ جَمِيعُ رُفَقَائِي فِي الرِّحْلَةِ مُعْتَرِضِينَ بِشِدَّةٍ.
— مَا هَذَا؟ مُسْتَحِيلٌ! وَلِمَاذَا يَجِبُ أَنْ يُعْزَى حَظُّ تِلْكَ الْمَرْأَةِ التَّعِيسَةِ الْعَثِرِ إِلَى بَطُولَتِهَا، وَلَيْسَ إِلَى الْمَرَضِ الَّذِي كَانَتْ تُعَانِي مِنْهُ سَابِقًا؟ وَالْأَحْرَى أَنْ نُفَكِّرَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً فِي الْأَصْلِ، وَظَهَرَتْ بِنَفْسِ الشَّكْلِ الْجَمِيلِ وَالْمُثِيرِ لِزَوْجِهَا بَعْدَ عَمَلِهَا الْبَطُولِيِّ الْأَخِيرِ، لَمَا مَاتَتْ، بَلْ لَكَانَتْ وَضَعَتْ طِفْلًا بِسَلَامٍ.
لَكِنَّ الرَّجُلَ ذَا اللِّحْيَةِ لَمْ يَنْزَعِجِ الْبَتَّةَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْجَمَاعِيِّ الْحَادِّ، وَعَادَ يُطْلِقُ ضَحَكَاتِهِ الْمُسْتَفِزَّةَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، ثُمَّ تَجَاهَلَ حَقِيقَةَ أَنَّ إِنْجَابَ طِفْلٍ خَامِسٍ، فِي تِلْكَ الظُّرُوفِ الْبَائِسَةِ، فِي تَقْدِيرِهِ، كَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَمْرًا كَارِثِيًّا، وَسَأَلَنَا إِنْ كَانَ إِنْجَابُ ذَلِكَ الطِّفْلِ، مِنْ وَجْهَةِ نَظَرِنَا، هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ ثَمَرَةٌ وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ الْعَمَلِ الْبَطُولِيِّ.
نَعَمْ، هُوَ كَذَلِكَ، لَمْ نَسْتَطِعْ إِنْكَارَ ذَلِكَ، عَلَى الْأَقَلِّ.
— إِذًا، نَحْنُ مُتَوَافِقُونَ؟، أَلَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ ذَلِكَ؟ وَإِذَا كَانَتْ ثَمَرَةٌ وَنَتِيجَةُ الْعَمَلِ الْبَطُولِيِّ هُوَ ذَلِكَ الطِّفْلُ، فَإِنَّ مَصْرَعَهَا أَيْضًا يَأْتِي ثَمَرَةً وَنَتِيجَةً نَفْسِ الْعَمَلِ الْبَطُولِيِّ.
هَذَا مُؤَكَّدٌ، وَلَا شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ نَأْخُذَ الْمَرْأَةَ كَمَا هِيَ، بِعِلَّتِهَا، لَا أَنْ نَخْتَلِقَ امْرَأَةً أُخْرَى سَلِيمَةً قَادِرَةً عَلَى وَضْعِ طِفْلٍ بِسَلَامٍ، لِمُجَرَّدِ الرَّغْبَةِ فِي الْجَدَلِ.
لَقَدْ كَانَ الْمَرَضُ يَسْكُنُ جَسَدَهَا. لَكِنَّهَا، حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ، لَمْ تَمُتْ مِنْهُ، وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنْ لِتَمُوتَ أَبَدًا، لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْبَطُولِيَّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْإِهْمَالِ وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ، أَوْقَدَ فَجْأَةً فِي نَفْسِ زَوْجِهَا رَغْبَةً جَامِحَةً نَحْوَهَا، جَعَلَتْهُ يَتَجَاهَلُ تَحْذِيرَ الْأَطِبَّاءِ.
فَذَلِكَ التَّحْذِيرُ– فَقَطْ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ – كَانَ نَتِيجَةً لِمَرَضِهَا: التَّحْذِيرُ، وَمِنْ ثُمَّ الْهَجْرُ، وَمِنْ ثُمَّ الْإِهَانَاتُ الَّتِي تَلَقَّتْهَا مِنْ زَوْجِهَا. أَمَّا الرَّغْبَةُ الْمُفَاجِئَةُ، وَالطَّبِيعِيَّةُ تَمَامًا، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى ذَلِكَ التَّحْذِيرِ، ثُمَّ الْمَوْتُ، فَكَانَتْ كُلُّهَا نَتِيجَةً مُبَاشِرَةً لِلْبَطُولَةِ. بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُقَدِّمْ عَلَى فِعْلَتِهَا الْبَطُولِيَّةِ، لَمَا رَآهَا الزَّوْجُ بِعَيْنِ الِاعْجَابِ، وَلَا اسْتَثَارَتْ رَغْبَتَهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ لِيُعَامِلَهَا مُعَامَلَةً أَسْوَأَ، وَلَمْ تَكُنْ لِتَمُوتَ.
عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، صَاحَ الشَّابُّ، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْغَضَبُ الشَّدِيدُ:
— يَا لَهَا مِنْ حُجَّةٍ عَجِيبَةٍ! إِذًا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَتْرُكَ أَطْفَالَهَا الْأَرْبَعَةَ يَمُوتُونَ، مِنْ دُونِ حَتَّى أَنْ تُحَاوِلَ إِنْقَاذَهُمْ؟ لَوْ فَعَلَتْ هَذَا، لَكَانَتْ أُمًّا لَا تَسْتَحِقُّ لَقَبَ الْأُمُومَةِ، أُمًّا مُتَجَرِّدَةً مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ!
"حَسَنًا!" – رَدَّ الرَّجُلُ عَلَى الْفَوْرِ – "لَقَدْ كَانَتْ بَطَلَةً، وَأَنْتَ تُعْجَبُ بِهَا، وَأَنَا أُعْجَبُ بِهَا، وَالْجَمِيعُ يُعْجَبُ بِهَا. لَكِنَّهَا مَاتَتْ. أَتَسْمَحُ لِي، عَلَى الْأَقَلِّ لِهَذَا السَّبَبِ، أَنْ أَصِفَهَا بِ "تَعِيسَةِ الْحَظّ".
إِنَّ إِخْوَتَنَا الطَّيِّبِينَ، مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ، يُعَانُونَ مِنْ جَدَلِيَّةٍ مُعَذِّبَةٍ! فَهُمْ يَغُوصُونَ فِي عُمْقِ آلَامِهِمْ وَأَوْجَاعِهِمْ، لَا يَدَعُونَ نَصْلَ مَنْطِقِهِمُ الثَّاقِبِ دُونَ أَنْ يَغُوصُوا بِهِ حَتَّى أَعْمَاقِ جِرَاحِهِمْ، وَيَسْتَمِرُّونَ، زَزَزَ ... زَزَزَ... زَزَزَ ، يَسْتَمِرُّونَ دُونَ تَوَقُّفٍ. إِنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْرِينِ الذِّهْنِيِّ الْبَارِدِ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ تَمَامًا، إِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَكْسِبُوا وَعْيًا أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ بِكُنْهِ أَلَمِهِمْ.
وَمَعَ ذَلِكَ، صَدِّقْنِي يَا سَيِّدِي الْعَزِيزَ— تَابَعَ الرَّجُلُ حَدِيثَهُ بَعْدَ تَنَهِيدَةٍ قَصِيرَةٍ — هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَاتَتْ، لَمْ تَكُنْ، فِي نَظَرِي، تَعِيسَةَ الْحَظِّ بِقَدْرِ مَا هُمْ تَعَسَاءُ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، بَعْدَ أَحَدِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْبَطُولِيَّةِ.
فَأَنْتَ يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْتَرِفَ، يَا سَيِّدِي، بِأَنَّ الْبَطُولَةَ هِيَ فِعْلُ لَحْظَةٍ. لَحْظَةُ سُمُوٍّ، لَا شَكَّ! لَحْظَةٌ تَشْتَعِلُ فِيهَا، فَجْأَةً، أَسْمَى طَاقَاتِ الرُّوحِ، وَتَنْهَضُ مَشَاعِرُ الْإِرَادَةِ وَالْعَزِيمَةِ، فَتَخْلُقُ عَمَلًا أَوْ تُنْجِزُ فِعْلًا جَدِيرًا بِالْإِعْجَابِ — بَلْ دَعْنَا نَقُولُ— حَتَّى بِالْمَجْدِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُوَفَّقًا.
لَكِنَّهَا مَحْضُ لَحَظَاتٍ، يَا سَادَتِي!
(اعْذُرُونِي إِنْ بَدَا لَكُمُ الْآنَ أَنِّي أُلْقِي مُحَاضَرَةً: فَأَنَا، فِي الْوَاقِعِ، وَلِلْأَسَفِ، أُسْتَاذٌ!).
الْحَيَاةُ لَا تُبْنَى مِنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ. حَيَاتُنَا الِاعْتِيَادِيَّةُ، الَّتِي نَحْيَاهَا كُلَّ يَوْمٍ، أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ جَيِّدًا كَيْفَ هِيَ: إِنَّهَا تَعِجُّ دَوْمًا بِعَقَبَاتٍ صَغِيرَةٍ، لَا تُحْصَى، وَغَالِبًا لَا تُذَلَّلُ، وَتَثْقُلُهَا احْتِيَاجَاتٌ مَادِّيَّةٌ مُتَوَاصِلَةٌ، وَتَرْزَحُ تَحْتَ نِيرِ هُمُومٍ تَافِهَةٍ فِي الْغَالِبِ، وَتَتَحَكَّمُ فِيهَا التَّزَامَاتٌ عَدِيمَةُ الْقِيمَةِ.
وَلِمَ تَسْمُو الرُّوحُ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ النَّادِرَةِ؟ لِأَنَّهَا، تَحْدِيدًا، تَتَحَرَّرُ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الْحَقَارَاتِ، تَقْفِزُ فَوْقَ كُلِّ تِلْكَ الْعَوَائِقِ الصَّغِيرَةِ، لَا تَعُودُ تَشْعُرُ بِكُلِّ تِلْكَ الْاحْتِيَاجَاتِ، تَنْفُضُ عَنْ نَفْسِهَا كُلَّ تِلْكَ الْهُمُومِ التَّافِهَةِ وَالْوَاجِبَاتِ عَدِيمَةِ الْقِيمَةِ، فَتَصِيرُ حُرَّةً، طَلِيقَةً، تَتَنَفَّسُ، تَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ، تَتَحَرَّكُ فِي هَوَاءٍ مُلْتَهِبٍ مُتَوَهِّجٍ، حَيْثُ يَصِيرُ الصَّعْبُ سَهْلًا، وَأَقْسَى الْاخْتِبَارَاتِ يَسِيرًا وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي سَلِسًا هَيِّنًا، كَمَا فِي نَشْوَةٍ إِلَهِيَّةٍ.
لَكِنْ، أَتَدْرِي يَا سَيِّدِي، بَيْنَمَا تَتَنَفَّسُ رُوحُكَ وَتَخْفِقُ وَتَتَحَرَّكُ فِي هَذَا السُّمُوِّ الْهَوَائِيِّ لِتِلْكَ اللَّحَظَاتِ —، أَيُّ مَكَايِدَ تُحِيكُهَا لَكَ؟ كَمْ مِنَ الْمُزَاحِ الثَّقِيلِ تُفَاجِئُكَ بِهِ؟ كَمْ مِنَ الْمُفَاجَآتِ السَّخِيفَةِ تُخْبِئُهَا لَكَ، تِلْكَ الرُّوحُ الطَّلِيقَةُ، الَّتِي تَحَرَّرَتْ مِنْ كُلِّ الْقُيُودِ، وَتَجَرَّدَتْ مِنْ أَيِّ تَفْكِيرٍ، وَاتَّقَدَتْ وَأَضَاءَتْ كُلِّيَّةً بِلَهِيبِ الْبَطُولَةِ؟
أَنْتَ لَا تَدْرِي؛ وَلَا تُلَاحِظُ ذَلِكَ؛ وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُلَاحِظَهُ. سَتُدْرِكُهُ فَقَطْ حِينَ تَهْوِي بِكَ نَفْسُكَ مِنْ جَدِيدٍ، مِثْلَ بَالُونٍ فَارِغٍ، إِلَى مُسْتَنْقَعِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
نَعَمْ، حِينَئِذٍ.
انْظُرْ، أَنَا عَائِدٌ الآنَ مِنْ رُومَا، حَيْثُ وُجِّهَتْ إِلَيَّ الْوِزَارَةُ الَّتِي أَعْمَلُ لَدَيْهَا، تَوْبِيخًا رَسْمِيًّا صَارِمًا؛ وَاسْتُقْبِلْتُ بِبُرُودٍ وَازْدِرَاءٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ مِنْ أُسَاتِذَتِي فِي جَامِعَةِ "سَابِينْزَا"، لِأَنَّنِي - كَمَا يَقُولُونَ - خَيَّبْتُ آمَالَهُمْ، وَانْحَدَرْتُ عَنْ كُلِّ مَا كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ مِنِّي. وَانْظُرْ هُنَا، إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي أَحْمِلُهَا، قَدْ كُتِبَ فِيهَا تَعْلِيقٌ عَنْ كُتَيِّبٍ صَغِيرٍ أَلَّفْتُهُ، يَصِفُنِي بِأَنِّي وَغْدٌ، سَافِلٌ وَضِيعٌ، أَتَغَذَّى عَلَى أَحْطِّ مَا فِي الْحَيَاةِ وَالْإِنْسَانِ مِنْ شُرُورٍ وَخَبَائِثَ. أَنَا! نَعَمْ، أَنَا يَا سَادَةَ! إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مِنِّي، فِي كِتَابَاتِي، نُورًا.. نُورَ الْمِثَالِيَّةِ، وَحَمَاسَةَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ يَدْرِي مَاذَا أَيْضًا...
نَعَمْ، يَا سَادَةَ.
وَهَا نَحْنُ هُنَا أَمَامَ هَذَا الزِّلْزَالِ الْعَظِيمِ!
لَقَدْ وَقَعَ زِلْزَالٌ آخَرُ، قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، حِينَ عُيِّنْتُ أُسْتَاذًا لِلْفَلْسَفَةِ فِي الْمَرْحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ، فِي رِيدْجُّو كَالَابْرِيَا.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الزِّلْزَالُ مِثْلَ هَذَا الْآخِرِ. لَكِنَّنِي أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا أَنَّ الْبُيُوتَ كَانَتْ تَتَمَايَلُ بِقُوَّةٍ. كَانَتِ الْأَسْقُفُ تَفْتَحُ وَتَغْلِقُ، مِثْلَ جُفُونِ الْعُيُونِ. حَتَّى إِنَّنِي، مِنْ عَلَى سَرِيرِي، فِي غُرْفَةِ نَوْمِي، رَأَيْتُ، بِعَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، مِنْ خِلَالِ إِحْدَى تِلْكَ الْفَتَحَاتِ اللَّحْظِيَّةِ، قَمَرًا رَائِعًا، يَنْظُرُ بِكُلِّ هُدُوءٍ إِلَى رَقَصَاتِ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا وَسَطَ اللَّيْلِ.
كُنْتُ شَابًّا آنَذَاكَ، مُتَّقِدًا بِنُورِ الْمِثَالِيَّةِ، مَفْعَمًا بِالْإِيمَانِ وَالْأَحْلَامِ. انْتَفَضْتُ مِنْ فَرْطِ الذُّعْرِ الَّذِي انْتَابَنِي أَوَّلًا، وَانْدَفَعْتُ - صَدِّقُونِي - لِأَصْبَحَ بَطَلًا، نَعَمْ، أَنَا أَيْضًا، بَطَلًا سَامِيًا، عِنْدَمَا سَمِعْتُ صَرَخَاتِ رُعْبٍ أَطْلَقَتْهَا ثَلَاثُ بَنَاتٍ صَغِيرَاتٍ كُنَّ نَائِمَاتٍ فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِغُرْفَتِي، وَالْجَدَّيْنِ الْمُسِنَّيْنِ، وَابْنَتِهِمَا الْأَرْمَلَةِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْوُونَنِي.
وَكَمَا تَعْلَمُونَ، لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ، بِذِرَاعَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ، إِنْقَاذُ سِتَّةِ أَشْخَاصٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً - خَاصَّةً حِينَ تَكُونُ السَّلَالِمُ قَدِ انْهَارَتْ، وَيَجِبُ النُّزُولُ مِنْ شُرْفَةٍ، أَوَّلًا إِلَى شُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ مِنَ الشُّرْفَةِ الصَّغِيرَةِ إِلَى الشَّارِعِ...
وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، بِعَوْنٍ مِنَ اللهِ!
أَنْقَذْتُ خَمْسَةً مِنْهُمْ، فِيمَا كَانَتِ الْهَزَّاتُ تَتَوَالَى، قَصِيرَةً مُتَلَاحِقَةً، تَهُزُّ وَتَهَدِّدُ بِتَحْطِيمِ دَرَابِزِينِ الشُّرْفَةِ الَّذِي كُنَّا نَتَعَلَّقُ بِهِ. كُنْتُ لِأُنْقِذَ السَّادِسَةَ أَيْضًا، لَوْلَا أَنَّ الذُّعْرَ وَالْحَمَاسَةَ الزَّائِدَةَ دَفَعَاهَا بِطَيْشٍ إِلَى مُحَاوَلَةِ إِنْقَاذِ نَفْسِهَا.
قُولُوا لِي أَنْتُمْ: مَنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ أُنْقِذَ أَوَّلًا؟ أَلَيْسَ الْأَطْفَالَ الثَّلَاثَةَ أَوَّلًا؟ ثُمَّ الْأُمَّ.
كَانَتْ قَدْ فَقَدَتِ الْوَعْيَ! وَكَانَتْ تِلْكَ هِيَ أَصْعَبَ مَهَمَّةٍ. لَا، أَنَا عَلَى خَطَأٍ: الْأَصْعَبُ كَانَ إِنْقَاذَ الْأَبِ الْعَجُوزِ، الْمَشْلُولِ، خَاصَّةً وَقَدْ أُنْهِكَتْ قُوَايَ، وَلَمْ يَبْقَ لِي سِوَى عَزِيمَتِي تُدَعِّمُنِي. لَكِنْ، أَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَاجِبِ إِعْطَاءُ الْأَوْلَوِيَّةِ لِذَلِكَ الْعَجُوزِ الْمِسْكِينِ، الْعَاجِزِ عَنْ إِسْعَافِ نَفْسِهِ؟
غَيْرَ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْعَجُوزَ لَمْ تَكُنْ تَرَى الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ أَرَادَتْ أَنْ يَتَمَّ إِنْقَاذُهَا هِيَ أَوَّلًا، لَيْسَ فَقَطْ قَبْلَ زَوْجِهَا الْمَشْلُولِ، بَلْ قَبْلَ الْجَمِيعِ. كَانَتْ تَصْرُخُ وَتَتَقَافَزُ، فَوْقَ الشُّرْفَةِ الْمُتَهَالِكَةِ، مِنَ الرُّعْبِ وَالْغَضَبِ، تَمْزِقُ شَعْرَهَا، وَتَنْهَالُ عَلَيْنَا جَمِيعًا - عَلَيَّ، عَلَى ابْنَتِهَا، عَلَى زَوْجِهَا، عَلَى أَحْفَادِهَا - بِالشَّتَائِمِ.
وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَنْزِلُ بِالْعَجُوزِ مِنَ الشُّرْفَةِ إِلَى الشَّارِعِ، إِذَا بِهَا، دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَنِي، قَدْ تَعَلَّقَتْ بِالْمِلَاءَةِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنَ الشُّرْفَةِ لِتَهْبِطَ بِهَا. وَمَا إِنْ رَأَيْتُهَا تَتَجَاوَزُ حَاجِزَ الشُّرْفَةِ، حَتَّى صَرَخْتُ مِنَ الشَّارِعِ أَنْ تَنْتَظِرَنِي، أَنَّنِي صَاعِدٌ إِلَيْهَا حَالًا لِأُحْضِرَهَا؛ وَعَلَيْهَا أَنْ تَنْتَظِرَنِي. وَمَا أَنْ قُلْتُ ذَلِكَ حَتَّى بَدَأْتُ فِعْلًا فِي الصُّعُودِ. لَكِنْ، عَبَثًا! فَتِلْكَ الْعَنِيدَةُ الْمُتَعَجْرِفَةُ، فَقَطْ كَيْ لَا تَكُونَ مَدِينَةً لِي بِشَيْءٍ، بَدَأَتْ هِيَ أَيْضًا بِالنُّزُولِ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا. وَعِنْدَ لَحْظَةٍ مَعَيَّنَةٍ، لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِ الْمِلَاءَةِ أَنْ تَحْتَمِلَ وَزْنَنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ، فَانْفَلَتَتْ مِنَ الدَّرَابِزِينِ، وَهَا نَحْنُ بُوووم! طَخْ! سَقَطْنَا عَلَى الْأَرْضِ مَعًا.
أَنَا لَمْ أُصَبْ بِأَذًى؛ أَمَّا هِيَ، فَكُسِرَتْ عَظْمَةُ فَخِذِهَا.
بَدَتْ لَنَا جَمِيعًا، وَبَدَتْ لِي أَنَا نَفْسِي وَقْتَهَا، يَا لَحْمَاقَتِي، أَنَّهَا الْمُصِيبَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لَحِقَتْ بِنَا (أَعْنِي خِلَالَ عَمَلِيَّةِ الْإِنْقَاذِ هَذِهِ!). وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ تُعْطَ أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً لِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ، فَهِيَ فِي النِّهَايَةِ مَجَرَّدُ كَسْرٍ، سَبَبُهُ الْعَجَلَةُ الزَّائِدَةُ، حِينَ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ نَمُوتَ جَمِيعًا فِي الزَّلْزَالِ.
وَاسْتَمَرَّتْ حَيَاةُ الْبُطُولَاتِ… اسْتَمَرَّتْ حَوَالَيْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. فَقَدْ حَصَلْتُ، كَأُسْتَاذٍ لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ، عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أُولَى الْخِيَامِ، وَبِالطَّبْعِ، أَخَذْتُ إِلَيْهَا الْأَطْفَالَ، وَالسَّيِّدَةَ، وَالشَّيْخَيْنِ؛ وَكَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَخَيَّلُوا، أَيُّهَا السَّادَةُ، أَصْبَحْتُ — مَا عَدَا فِي نَظَرِ تِلْكَ الْعَجُوزِ — بِمَثَابَةِ الْإِلَهِ لَهُمْ جَمِيعًا.
يَالَهَا مِنْ أَيَّامٍ، تِلْكَ الَّتِي عِشْنَاهَا فِي الْمُخَيَّمِ، عَلَى مَدَارِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، تَحْتَ السَّقِيفَةِ، وَالشَّبَابُ يَغْلِي فِي عُرُوقِ الْجَسَدِ، وَالِامْتِنَانُ يَتَوَهَّجُ وَيُحَرِّضُ، دُونَ وَعْيٍ، أَوْ إِرَادَةٍ، فِي عَيْنَيْ أُمٍّ مَا تَزَالُ شَابَّةً وَجَمِيلَةً!
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ سَهْلًا، وَسَطَ تِلْكَ الصُّعُوبَاتِ؛ كُلُّ شَيْءٍ هَيِّنٌ، فِي خِضَمِّ تِلْكَ الْفَوْضَى الَّتِي لَا تُوصَفُ؛ وَالْحَمَاسَةُ الْمُشْرِقَةُ، رَغْمَ ازْدِرَاءِ أَشَدِّ الْاحْتِيَاجَاتِ إِلْحَاحًا؛ وَالشُّعُورُ بِالرِّضَى، الَّذِي لَا يُفْهَمُ مَرَدُّهُ، لَكِنَّهُ شُعُورٌ يُثْمِلُ وَيُحَفِّزُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي تَضَحِيَّاتٍ جَدِيدَةٍ، لَمْ نَعُدْ نَرَاهَا تَضَحِيَّاتٍ، لِمَا تَمْنَحُهُ مِنْ جَزَاءٍ سَخِيٍّ.
وَفِي قَلْبِ الْخَرَابِ، قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا — وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَابًا كَئِيبًا وَمُرْوِعًا كَالَّذِي نَشْهَدُهُ الْيَوْمَ، صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ كَانَ خَرَابًا — كُنَّا نَمْرَحُ فِي الْخِيَامِ لَيْلًا، تَحْتَ النُّجُومِ، أَمَامَ هَذَا الْبَحْرِ الْإِلَهِيِّ؛ غِنَاءً وَعَزْفًا وَرَقْصًا…
وَهَكَذَا، وَجَدْتُ نَفْسِي، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، أَبًا ثَانِيًا لِثَلَاثَةِ أَطْفَالٍ لَيْسُوا مِنْ صُلْبِي، ثُمَّ، عَامًا بَعْدَ عَامٍ، صِرْتُ أَبًا شَرْعِيًّا لِخَمْسَةٍ آخَرِينَ هُمْ أَوْلَادِي، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ — إِنْ لَمْ أَكُنْ مُخْطِئًا — ثَمَانِيَةً، وَتِسْعَةً مَعَ الزَّوْجَةِ، وَأَحَدَ عَشَرَ مَعَ الْحَمَاةِ وَالْجَدِّ، وَاثْنَيْ عَشَرَ بِي أَنَا، وَخَمْسَةَ عَشَرَ إِذَا أَضَفْنَا أَبِي وَأُمِّي وَأُخْتِي الْعَزْبَاءَ، الَّتِي أَتَكَفَّلُ بِهَا.
هَا هُوَ الْبَطَلُ أَمَامَكُمْ، أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَعِزَّاءُ!
لَقَدِ انْتَهَى ذَلِكَ الزَّلْزَالُ؛ وَهَذَا الْآخَرُ أَيْضًا مَرَّ: لَكِنْ مَا تَبَقَّى هُوَ زَلْزَالُ حَيَاتِي الْخَالِدُ.
لَكِنَّنِي كُنْتُ بَطَلًا، لَا رَيْبَ فِي ذَلِكَ!
وَالْيَوْمَ يَتَّهِمُونَنِي بِالتَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ وَاجِبِي؛ وَبِأَنَّنِي أُسْتَاذٌ سَيِّئٌ؛ وَيُقَابِلُنِي بِازْدِرَاءٍ بَارِدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلِقُونَ عَلَيَّ الْآمَالَ؛ وَتَنْعَتْنِي الصُّحُفُ بِالْوَغْدِ؛ وَلَا أَجْرُؤُ حَتَّى — كَيْ لَا أُثِيرَ اشْمِئْزَازَكُمْ، أَيُّهَا السَّادَةُ، — عَلَى التَّعْبِيرِ عَمَّا يَغْلِي فِي دَاخِلِي وَيُزَلْزِلُ عَقْلِي، حِينَ أَتَذَكَّرُ أَحْلَامِي الْمَاضِيَةَ، وَطُمُوحَاتِي السَّابِقَةَ …
أَنَا، يَا سَادَتِي، حِينَ أُحَاوِلُ، فِي لَحْظَةِ هُدُوءٍ نَادِرَةٍ أَخْلُو فِيهَا بِنَفْسِي، أَنْ أَلُمَّ شَتَاتِي، وَأَسْتَسْلِمَ لِتِلْكَ الْآمَالِ الْعَبَثِيَّةِ فِي أَنْ أَسْتَأْنِفَ الْحَدِيثَ مَعَ نَفْسِي الْقَدِيمَةِ، فَإِذَا بِهَا — تِلْكَ الْعَجُوزِ الْعَرْجَاءِ، حَمَاتِي الْخَالِدَةِ، الَّتِي مَا زَالَ جَسَدُهَا يَتَقَدُّ بِغَضَبٍ لَا يَنْطَفِئُ تُجَاهِي — تَطُلُّ عَلَى عَتَبَةِ غُرْفَةِ مَكْتَبِي الصَّغِيرَةِ، وَهِيَ تَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى خَاصِرَتِهَا، وَمِرْفَقَيْهَا بَارِزَيْنِ لِلْأَمَامِ، وَتَنْحَنِي حَتَّى تَكَادُ تُلَامِسُ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَزْأَرُ نَحْوِي قَائِلَةً، مِنْ بَيْنِ لَثَّتِهَا الْمُبَلَّلَةِ بِاللُّعَابِ، لَا أَدْرِي إِنْ كَانَتْ تَسُبُّنِي، أَمْ تَلْعَنُنِي، أَمْ تُعَاقِبُنِي:
"زَلْزَالُ! زَلْزَالُ! زَلْزَال!".
"وَقَدْ عَلِمَ تَلَامِيذِي بِالْأَمْرِ. أَتَدْرُونَ بِمَاذَا يُنَادُونَنِي؟
الأستاذ زلزال".
|