|
القاهرة 29 ابريل 2025 الساعة 08:58 ص

بقلم: د. هويدا صالح
تُعد جوليا كريستيفا، الفيلسوفة والمحللة النفسية والعالمة السيميائية والروائية، واحدة من أبرز المفكرات و المفكرين الذين يقفون عند تقاطعات التيارات الفكرية الأكثر ديناميكية في القرن العشرين والحادي والعشرين. وُلدت في بلغاريا وتكوّنت فكريًا في فرنسا، تتنوع أعمالها بين اللغة والأدب والتحليل النفسي والنظرية النسوية، ما يخلق نقدًا غنيًا ومتعدد الأوجه للهوية والجندر والمعنى. رؤيتها النسوية فريدة من نوعها— فهي لا تقوم على النشاط السياسي المباشر، بل على تحدٍّ فلسفي أعمق لجميع الأنظمة التي تهمّش أو تقمع أو تُقصي. بالنسبة لكريستيفا، يكمن انتصار النسوية في تفكيك البُنى الصلبة للسلطة، لا في استبدال سلطة بأخرى. فهي لا تراهن على أن تحل النساء محل الرجال في سلطة بديلة، بل تراهن على تفكيك بنى الثقافة الذكورية التي تحكم وعي الرجال والنساء معا.
-
النسوية خارج الأيديولوجيا: رؤية تجسد الهوية المرنة
تُصنّف أفكار كريستيفا النسوية ضمن الموجة الثالثة أو ما بعد الحداثة، وهي ترفض تجسيد "الأنوثة" في تعريف واحد أو اختزال النسوية في مسار أيديولوجي صارم. تتحدى كريستيفا الثنائيات التي حكمت الفكر الغربي—رجل/امرأة، ذات/موضوع، عقل/عاطفة—وتقترح بدلًا منها فهمًا أكثر مرونة وديناميكية للهوية.
في مقالها الشهير "زمن النساء" (1981)، تصف كريستيفا ثلاث "موجات" من النسوية، وتربط الثالثة منها برؤية ما بعد بنيوية تسعى لتفكيك مفاهيم الزمن والهوية واللغة ذاتها. تدعو هنا إلى نسوية تحتفي بالتعددية والغموض، تعترف بالأبعاد الرمزية والمتخيلة للذات. فالمرأة عند كريستيفا ليست كيانًا ثابتًا، بل "ذات في طور التكوّن"، تتغير باستمرار.
الانتصار للمهمّش: قوة "المقزز"
يُعد مفهوم "البائس" (abject) من أبرز إسهامات كريستيفا، وقد قدمته في عملها الأساسي *"قوى الرعب"*. البائس هو ما يرفضه المجتمع لكي يؤسس لنظامه وهويته: الجثة، السوائل الجسدية، الأمومة الغامضة... لكنه في الوقت نفسه، يعود ليطارد هذا النظام، مذكّرًا إياه بهشاشته.
من خلال استكشاف البائس، ترفع كريستيفا من شأن ما يُقصى أو يُهمَّش في الخطاب، خصوصًا الجسد الأنثوي، والجنس الأنثوي، والآخر. تدفعنا أعمالها لمواجهة الحقائق المزعجة التي نحاول قمعها، ما يمنح صوتًا لما كان يُسكَت. هكذا، فإن نسوية كريستيفا ليست دفاعًا عن النساء فقط، بل عن كل ما هو "آخر" أو "مستبعد" أو خارج عن القانون الرمزي.
وانتصارها للمهمّش هو أيضًا نقد لأي أيديولوجيا شاملة—بما في ذلك بعض أشكال النسوية التي قد تصبح، في رأيها، جامدة وتسلطية. فالتحرر الحقيقي، وفقًا لها، يكمن في احتضان الغموض واللايقين والبعد الشعري للوجود الإنساني.
-
قلق الكتابة: اللغة، الفقد، وإمكانية الولادة من جديد**
الكتابة، عند كريستيفا، هي فعل تحرر وصدمة في آن واحد. متأثرة بشدة بالتحليل النفسي، خاصة بفرويد ولاكان، ترى كريستيفا أن الكتابة عملية يُفصح فيها اللاوعي عن نفسه—ولادة رمزية جديدة، لكنها أيضًا مواجهة مع الفقد.
تحدد كريستيفا جسد الأم كمصدر لكل المعاني، لكنه يُقمع حين يدخل الطفل في النظام الرمزي للغة. ومن هنا، تولِّد الكتابة شوقًا للعودة إلى هذه الوحدة السابقة للرمزية—شوقًا إلى الأم، وهو شوق مستحيل وخطر. هذا التوتر يخلق ما تسميه "قلق الكتابة": القلق النفسي الناتج عن محاولة التعبير عمّا يتجاوز اللغة.
وترى أن الأدب العظيم هو الذي يُفسح المجال لهذا القلق، ويسمح لـما تسميه "الكورا الدلالية"—وهي تدفقات ما قبل لغوية من الإيقاع والدوافع—بأن تعكر النظام اللغوي وتخلخله. وخصوصًا في النصوص الشعرية والطليعية، حيث يقاوم النص الانغلاق والمعنى الصلب والسلطة.
بالنسبة للكاتبات، ترى كريستيفا أن هناك إمكانيات فريدة في التعبير الأدبي—لا سيما فيما يتعلق بالأمومة، والاغتراب، والحنين، لكن دون أن تُعرّف "كتابة المرأة" كفئة ثابتة. إنها تفضّل الانتباه للخصوصية الفردية والتجربة النفسية المتفردة.
-
التحليل النفسي: تحرير محفوف بالمخاطر
يمثّل التحليل النفسي بالنسبة لكريستيفا مساحة للتحول والشفاء، لكنه أيضًا محفوف بالمخاطر—فهو يتطلب منا مواجهة الهاوية داخلنا، والفوضى الكامنة في النفس.
فالموضوع عندها ليس ثابتًا، بل دائم التغير، يتشكل من رغبات غير واعية، وذكريات، وصدمات. لذا، فالتحليل النفسي ليس بحثًا عن إجابات نهائية، بل مساحة للانفتاح والتغير. وبهذا، يتقاطع مع رؤاها الأدبية والنسوية: رفض الجمود، تقبّل التناقض، والحركة المستمرة بين القانون الرمزي وحرية "الكورا" الشبه لغوية.
-
الإرث: رؤية للمهمّشين ولمستقبل أكثر انفتاحًا
تكمن مساهمة كريستيفا الكبرى في أنها منحت قيمة لما يُقصى ويُهمّش ويُخرَس في أنظمتنا الثقافية والمعرفية. سواء في حديثها عن المنفى، أو الهوية السائلة، أو ألم الإبداع، تذكّرنا كريستيفا بكرامة "الهامش".
وفي زمن تتصاعد فيه الانقسامات حول الجندر والهوية والانتماء، تذكّرنا كريستيفا بأن التحرر لا يتحقق عبر التقوقع، بل بالانفتاح—للاختلاف، للغموض، وللحوار. رؤيتها ليست سهلة، ولا مريحة، لكنها ضرورية: دعوة لأن نعيش بصدق، وبشجاعة، وبانفتاح في مواجهة اللايقين.
وقد نحت كرستيفا إلى العمق في طرح فلسفتها، وأحيانا أعاق هذا العمق المفرط في الأسلوب ورؤية العالم القارئ العام عن فهم فلسفتها، وترى كريستيفا أن الوضوح أو الـمنطق المباشر غير قادرين على حمل خطاب رؤيوي لمعالجة مشكلات مجتمع ما بعد حداثي فائق التعقيد من حيث التصورات والمفاهيم والرؤى المركبّة لـعالم يزداد اختلافا واغتراباً.
|