|
القاهرة 29 ابريل 2025 الساعة 08:51 ص

إعداد: مصطفى علي عمار
الأدب العربي، بجميع أنواعه وأشكاله، يُعد جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية العربية، التي تتميز بالغنى والتنوع. وقد تأثر الأدب العربي بشكل كبير بالأدب العالمي، مما أدى إلى تحولات عميقة في المواضيع والأشكال الأدبية. هذه التحولات لم تكن نتيجة للتعرض العرضي للأدب العالمي، بل كانت نتيجة التبادل الثقافي بين الشعوب وتأثير العولمة على الأدب.
كما يعد الأدب العالمي، بجميع لغاته وأشكاله، مصدر إلهام للأدباء العرب، الذين استفادوا من التجارب الأدبية العالمية لإنشاء أعمال فنية متميزة. وقد تأثر الأدب العربي بالتأثيرات الغربية، خاصة في فترة النهضة العربية، مما أدى إلى ظهور أسلوب أدبي جديد يجمع بين التراث العربي والتأثيرات العالمية.
في هذا الملف نستعرض تأثيرات الأدب العالمي على الأدب العربي، وكيف استجاب الأدباء العرب لتحديات العولمة الثقافية والتأثيرات المتبادلة بين الأدبين. كما نستعرض أهمية التأثيرات الثقافية في تشكيل الهوية الأدبية العربية، والتحولات التي طرأت على الأدب العربي نتيجة للتأثيرات العالمية.
فالتقينا بعدد من الكتاب والأدباء في الوطن العربي وعرضنا عليهم هذالأسئلة:
كيف يؤثر الأدب العالمي على الموضوعات والأساليب في الأدب العربي؟ وما العلاقة بين الأدب العالمي والأدب العربي من حيث اللغة والثقافة؟
وكيف يؤثر الأدب العالمي على تطور الشخصيات في الأدب العربي؟ و ما هي التأثيرات السلبية والإيجابية للأدب العالمي على الأدب العربي؟ وكيف يمكن تعزيز التبادل الأدبي بين الثقافات العربية والعالمية؟
وكيف أثرت الحركات الأدبية العالمية (الرومانسية، الواقعية، التحليلية) على الأدب العربي؟ وكيف أثرت الأعمال الأدبية العالمية على النقد الأدبي العربي؟
وجاءت أجوبتهم كالتالي:
-
ابتدرنا بالكاتبة اللبنانية د. لارا ملّاك..
فتقول: إن أردنا الكلام على تأثيرٍ عالميٍّ في الأدب العربيّ، من الأَولى الكلام على تأثير الثّقافة العالميّة فينا. فالأدب العالميّ أتى ويأتي من الثّقافة العالميّة، ونعني بذلك جملة المفاهيم والتّيّارات الفكريّة السّائدة لدى الشّعوب، ولا نستثني هنا الأدباء والفنّانين والمثقّفين، كما أنّ الأدب العربيّ يعكس ثقافة واضعيه وجمهوره من القرّاء.
يقول روبرتسون إنّ بنى الارتباط العالميّة تتّحد مع وعيٍ متغلغلٍ واحدٍ لرفع أيّ أحداثٍ محليّةٍ إلى أفق عالمٍ واحد، وبذلك النّاس مجبرون على التّفكير في العالم ككلٍّ متكامل.
بناءً على ما تقدّم، تفرض الثّقافة العالميّة موضوعاتها على الآداب مهما اختلفت لغة الكتابة، ومهما اختلفت جنسيّة المؤلّف. فقد برزت مفاهيم حداثويّةٌ كثيرةٌ منها الشّخصانيّة، والفرديّة، والماديّة، والوجوديّة...
بذلك، تُطرح الموضوعات في الأدب العربيّ المعاصر بحسب تفاعل الأديب مع القيم العالميّة الّتي يحتكّ بها يوميًّا، بالإضافة إلى همومه الوطنيّة والاجتماعيّة.
تضيف: أمّا من ناحية الأساليب فيميل النّصّ العربيّ المعاصر إلى التّحرّر من ناحية اللّغة أو الشّكل، بينما يعتمد التّكثيف من ناحية الصّورة لخلق المعنى. وفي ذلك مجاراةٌ لموجة التّحرّر العالميّة، وتفاعلٌ واعٍ عميقٌ زاخرٌ مع القيم المستجدّة والمعاني الكثيرة الطّارئة. فحين برز مثلًا، توجّه "موت المؤلّف" في النّقد الغربيّ، صار هذا المنظور معتمدًا في نقد آدابٍ أخرى، ومنها أدبنا. لم يمت المؤلّف الغربيّ وحده، بل العالميّ أيضًا. بذلك، تغيّرت رؤية الأديب العربيّ لنصّه فجعله مفتوحًا، أي متعدّد القراءات ويحتمل التّأويل. هكذا انتقلت قيمة رفض البطريركيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة إلى رفض بطريركيّة المؤلّف، ممّا يجعل القارئ شريكًا في بناء النّصّ. وكي يتحقّق ذلك لا بدّ من إغراقٍ في الرّمزيّة، كي يتسنّى لكلّ قارئٍ بناء النّصّ من جديد. هكذا انعكست القيم العالميّة في أساليب الكتابة، ومنها الكتابة العربيّة.
لا يمكنني القول إذًا، إنّ الأدب العربيّ يتأثّر بالأدب العالميّ، بل إنّ النّصّ على اختلاف هويّة مؤلّفه، يتأثّر بالثّقافة العالميّة.
-
فيم يرى الكاتب والناقد المصري سليمان جادو شعيب..
من المسلم به والبديهي أن الأدب العربي تأثر في بداية نهضته بالآداب الأخرى، فقد تضمنت مصادرأدبنا العربي منذ القدم ألواناً من آداب الفرس واليونان، والهنود، ونماذج غزيرة من حكمهم، وأمثالهم، وتوقيعاتهم، وأقوالهم البليغة المختلفة المعبرة عن شؤون الحياة، نجدها ماثلة في أدبنا منذ القرن الثاني من الهجرة، وهو العصر الذي انتشرت فيه الكتابة، واتجه العلماء إلى تدوين العلوم والمعارف، بعد أن كانوا يعتمدون على ذواكرهم في الحفظ والرواية.
ولعل أقدم آثار وصلت إلينا تحمل شيئاً من مضامين الآداب الأجنبية رسائل عبد الحميد الكاتب (ت132ه) الديوانية والأدبية، ومؤلفات عبد الله بن المقفع (103 - 142ه)؛ كالأدب الصغير، والأدب الكبير، ورسالة الصحابة، والدرة اليتيمة، والأدب الوجيز للولد الصغير، ومترجماته ككليلة ودمنة، ومؤلفات الجاحظ (159-255ه)، ولاسيما البيان والتبيين الذي تضمن طائفة من أقوال العرب وحكمهم، وآرائهم في البيان وبلاغة الأداء وموازنتها بما لدى الأمم الأخرى.
وحين نتقدم في الزمن قليلاً نلحظ كثرة النصوص المنقولة والمترجمة من الآداب الأجنبية، ولاسيما فن التوقيعات، والحكم، والأمثال، والتوجيهات السلوكية.
وينوه إلى أنه قد تأثرت آداب الأمم الأخرى بأدبنا العربي، فقد أخذ الفرس فن المقامات عن العرب، وظهر تأثير الأدب العربي جلياً فيما أنتجه الفرس من شعر ونثر، كما نلاحظ عند الشيرازي، والفردوسي، وجلال الدين الرومي.
وامتد تأثيره منذ وقت مبكر في الأدب اللاتيني وفي الآداب الأوروبية، كالأدب الإسباني، والبرتغالي، والإيطالي، والفرنسي.
-
ويضيف الناقد القطري أيمن دراوشة فيقول:
للأدب العالمي تأثيرات عديدة على الأدب العربي، منها الإيجابي ومنها السلبي وبعضها سلبي. وسوف نتناول كل تأثير على حدة:
أولًا: التأثيرات الإيجابية:
1- تعزيز التنوع والانفتاح الثقافي:
ساهم الاطلاع على الأدب العالمي في توسيع آفاق الكتّاب العرب، من ناحية تعرفهم على ثقافات وأساليب جديدة أثرت في أعمالهم.
2-إثراء الأسلوب الأدبي العربي:
أتاح الأدب العالمي للأدب العربي تبني تقنيات سردية حديثة، مثل تيار الوعي، الرمزية، والتكثيف الشعري.
3- نقل المفاهيم والقضايا العالمية:
الأدب العالمي تناول قضايا إنسانية شاملة كالحرية، العدالة، والمساواة، مما ألهم الكتّاب العرب لتناول هذه القضايا بطرق مبتكرة.
4- نشر الأدب العربي عالميًا:
الاهتمام بالأدب العالمي شجع ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى، مما ساهم في نشره عالميًا وتعزيز مكانته.
5- ظهور مدارس أدبية جديدة:
ظهور مدارس أدبية جديدة في الأدب العربي مثل الواقعية والحداثة تأثر بشكل مباشر بحركات أدبية عالمية.
ثانيًا: التأثيرات السلبية:
1- المبالغة بتقليد الأسلوب الأجنبي.
انبهار بعض الكتّاب العرب بالأدب العالمي أدى إلى تقليد أساليبه دون مراعاة الخصوصية الثقافية العربية.
2- إضعاف اللغة العربية الفصحى:
ويضيف أن التركيز على الأدب العالمي المكتوب بلغات أجنبية قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام باللغة العربية كوسيلة للتعبير الأدبي.
3- الاغتراب الثقافي وتراجع الهوية الثقافية:
بعض الأعمال العربية المقتبسة عن الأدب العالمي قد فقدت صلتها بالبيئة المحلية، ما أدى إلى نوع من الاغتراب الثقافي.
تهميش التراث العربي:
اهتمام بعض الأدباء بالنقل عن الأدب العالمي قد أدى إلى تراجع الاهتمام بالتراث العربي الغني.
ضغوطات العولمة الثقافية:
سيطرة الأدب العالمي على الساحة الأدبية أحيانًا قد تسبب في تهميش الأدب العربي على المستوى الدولي.
ويختتم بأن التفاعل مع الأدب العالمي يشكل فرصة للأدب العربي للتطور والانفتاح، لكن ينبغي أن يتم ذلك بوعي يحترم الهوية الثقافية العربية. التوازن بين الاستلهام من الخارج والحفاظ على الجذور الأدبية المحلية هو المفتاح للاستفادة المثلى بدلًا من هذا التقليد الأعمى.
-
وعن تأثير الأعمال الأدبية العالمية على النقد الأدبي العربي
-
يقول الناقد المغربي المصطفى الصغوسي:
دائما كانت ساحة الأدب متموجة وحركية، متنطعة وتكره الجمود، لأنها تدرك أن في جمودها موتها. ودائما كانت عندما ينال منها الجمود والاجترار ويجرها الاستهلاك الإبداعي والذوقي المكرور نحو الانحطاط نجدها تنزع نحو اكتشافات أرحب: وهذا ما حدا مثلا بالنقد الأدبي العربي إلى الانفتاح، في النصف الثاني من القرن الماضي، على الأعمال الأدببة العالمية، مانحا إياها تصنيفات منبهرة ومرغٌبة، على غرار: الكلاسيكيات، الروائع، الخالدات، الأدب الإنساني العالمي...، وهو ما أثر على النقد العربي، أولا من خلال كون القراءة والتلقي أول مراحل العملية النقدية (لماذا نقرأ ما نقرأ؟ ولماذا نختاره دون غيره؟)، وثانيا، من خلال كون العملية النقدية هي إضاءة للنص واشتهاء في أن نكونه ونشبهه (رولان بارت)، وينوه أن: المسألتان معا تؤثران على المحلي الذي هو هنا الأدب العربي، فيكسر من رتابة الإبداع والذوق تلك، بأن يلقي في الساحة الأدبية أحجارا جديدة تتمثل في التصاديات الفكرية المعرفية والفنية والأيديولوجية المتأتية من تلقي تلك الروائع والخالدات من الأدب العالمي، ومن التعامل مع المدارس والاتجاهات النقدية التي أطرته، ليغدو ممكنا الحديث مثلا، عن البنيوية وعن الماركسية والاتجاه النفسي وعن الحداثة وما بعد الحداثة في النقد العربي.
يضيف: وهو نفس التأثر الذي يعيشه النقد العربي راهنا بزخم أوسع من خلال انفتاحه المتجدد على "الآداب العالمية" بمساعدة سخية من التكنولوجيا الحديثة التي فتحت أمامه منصات إبداعات إنسانية متمايزة ورافدة للذوق والإبداع والنقد (بدليل حضور الأجناس الأدبية الآسيوية اليابانية وغيرها في دائرة التلقي والنقد العربيين: الهايكو والهايبون والسينريو والتانكا...)
-
ويرى الشاعر المصري عبد الرحيم الماسخ..
أنه يمكن تعزيز التبادل الأدبي بين الثقافات العربية والعالمية عن طريق الترجمة المباشرة للنصوص المعتمدة عالميًّا، ذلك بدعم المراكز العلمية المنوطة بالمتابعة التخصصية وتأهيلها للمتابعة والتحليل والاستفادة القصوى، بما يتيح للقارئ غير المتخصص الاستفادة من متغيرات الفكر العالمي باستمرار منعا للمحاكاة. والتقليد، وقد أثرت الحركات الأدبية العالمية الرومانسية، والواقعية، والتحليلية على الأدب العربي من زوايا مختلفة منها الاحتكاك المباشر مثلما فعلت بعثة محمد علي بقيادة رفاعة الطهطاوي إذ نقلت مكنون الثقافة الفرنسية إلى مصر، كما يمكن التأثير من خلال الدراسة المطبوعة كمتابعة ما يصدر من كتب مهمة وترجمتها عن طريق المتخصصين الأكفاء لتمكين القارئ من الاستفادة المثالية غير التقليدية، كما يمكن التأثير من خلال المحاكاة المباشرة كالمشاهدة وما توحي إليه من تجديد مغاير لواقع ما كالملبس والمأكل والحركات والسكنات إذ كل ما يمت إلى الإنساب بصلة و يغير من سلوكه إلى الأحسن هو أدب و إن لم يكن نصًّا ثابت الحجم راسخ الأفكار، ولأن الحياة تكاملية بين بني الإنسان فهي تتلون بألوان توجهات الجميع من كل الأطياف، الأدب ليس بحساسية الأديان و لكنه بإنسانية الناس، فنحن نستفيد من الأدب الهندي مثلا بكل رحابة لكننا لا نستفيد من أديانهم العديدة.
|