|
القاهرة 25 فبراير 2025 الساعة 11:23 ص

كتبت: هبة أحمد معوض
كأنما جئنا ليكتشف كل إنسان مصيره!
كأننا أبطال مسرحية قديمة بلا إطار.. تبدأ دون دقة وتنتهي بلا ستار.
إن أحمد عبد المعطي حجازي، منذ فترة بعيدة كان قد توقف عن الشعر تمامًا، لكن لم يلبث أن توقف قلمه أن يسطر تجاربه وفكره، فهل كان الشعر رفيقه فعلًا؟ في هذا الكتاب البديع "الشعر رفيقي" يفكر أحمد عبد المعطي حجازي ألف مرة، ليستنتج منهم الحقيقة في مرة، ومن ثم يخرج لنا بمؤلف عظيم يتناول في مضمونه فكرة التجديد في الشعر، من خلال تبسيط معنى فكرة قصيدة ومفهومها، وشرح للوزن والقافية والإيقاع، الذي ينتج عنهم فن شعري ممتع.
ليس هذا فقط، فالكتاب أكثر ثراءً وإمتاعًا عن غيره ففي فصول عديدة تناول حجازي مفهوم الحداثة في الشعر والخروج عن الأسطورة والتجربة، والتي يرى أن منها ما ينتقد ويفند ويؤكد، لكن تبقى أعظم الفصول في آخرها وما قبله، الذي فيهم كتب بقلبه، لنجد أنفسنا أمام مرثية متّقدة غير معهودة، خلقتها تلك الكلمات التي لم أعرف أهي رثاء لموت صديقه صلاح عبد الصبور الذي سقط صريعًا بين يديه بسبب كلمة طائشة أطاحت به أم لنفسه التي تخلت عن عنفوانها دون شاعريتها، وأيضًا تلك الرسائل غير المكتملة لصاحبه الآخر ورفيقه أمل دنقل، لنكتشف فعلًا أن الشعر كان وسيظل رفيق حجازي، لتأتي النهاية مع محاوراته لـ أدونيس.
"لكن الكلمات مهما بلغ سحرها في وقتٍ من الأوقات لا يمكن أن تصنع قصيدة".
ومن ثم نجد أن الفلسفة الشعرية لـ أحمد عبد المعطي حجازي تتجسد فيما جاء على لسانه من حديث كالآتي: لقد خُيِّلَ للناس أن أهم ما يفرق بين القصيدة التقليدية والقصيدة الجديدة هو الوزن، فإذا كانت الأولى موزونةً مُقفّاةً، فالجديدة جديدة بمدى خروجها على الوزن والقافية. وهكذا، كان بناء الوزن على تكرار حر للتفعيلة بدلًا من التكرار المُنتظم للبيت خطوةً أولى على طريق التجديد والقصيدة الجديدة بحقٍّ هي التي تتخلى تمامًا عن الوزن والقافية.. لكن هذا وهمٌ، إلا إذا فهمنا الوزن بمعناه الرديء، وهو أنه عنصرٌ مضافٌ إلى الكلام، وهذا لا يوجد إلا عند الناظمِ أو الناشئ الذي ينصحه ابن طباطبا (العلوي) بأن يبدأ فيُمخّضُ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، ويُعدُّ له ما يُلبِسُه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي تُوافقه، والوزن الذي يُسلِسُ له القول فيه.
إن عظمة هذا الكتاب تكمن في المقام الأول ليست في قضيته، ولكن في إنسانيته، هناك في ذلك الفصل أو المرثية التي كُتبت عن صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، مشاعر الصداقة والخسارة والحسرة، حديث مذبذِب، يجعلك تعيد النظر مئات المرات في الفقد، أما كلماته: "أشعر أنني الآن أفهم صلاح عبد الصبور أفضل مما فهمته في حياته، ولهذا أحس بالندم الشديد وأحس بخسارة صديق" ليست عبارات ستمضي، بل هي الحسرة ذاتها، أيضًا رسالته الأخيرة لصاحبه أمل دنقل في ذكراه الخامسة، العذاب نفسه.
يبقى السؤال الأخير الذي يراودني دائمًا.. أيهما أفضل شعر النثر أم الشعر الحر؟ الإجابة باختصار: إن كليهما مكملان لبعضهما البعض، فكل منهما له استخداماته وقيمه وطبيعته وغرضه وأثره، وهذه الأخيرة هي الأهم، فالشعر مهما كان شكله لا بد له من أثر حتى يكون حقيقيا وواقعيًا، بالتالي لا يعد واحدًا أفضل من الآخر إلا فيما يتركه من أثر.
أما شاعرنا السابق الحديث عنه، فالحقيقة إنني لا أستطيع الانحياز لفكرة واحدة لديه ورفض الأخرى، فما من معضلة فيما يراه أحمد عبد المعطي حجازي من كون الفنون إما أن تكون بدائية وإما أن تكون متحضرة، وكذلك الإيقاع إما كيفي وإما كمي، وإذا كان ما يعيبه في بداياته هو الترييف، الذي ظهر في البناء الفني لشعره ادّعاءً، فإنه تنحى عن ذلك فيما بعد، وتاب عن كثير من أفكاره، وأصبحت قضيته الأولى الحفاظ على اللغة العربية من الاندثار.
|