|
القاهرة 04 فبراير 2025 الساعة 09:48 ص

قراءة: أشرف قاسم
إذا كان لا بد أن يكون للشعر من وظيفة فإن وظيفته الأولى هي استكناه الوجود، وفك شيفرات الواقع، وتعرية القبح، وإبراز الجمال في مواجهة هذا القبح المجتمعي المستشري، وهذا بالضبط ما فعله الشاعر العراقي الكبير عذاب الركابي في تجربته الشعرية الأحدث "من وجهة نظر الفراشات"، فالشعرُ هنا ليس حبيس اللغة الشعرية وحسب، بل إن الاعتماد على الصورة هو أبرز ملامح تلك التجربة، الصورة بمعانيها المختلفة، الصورة الشعرية، الصورة الفوتوغرافية، الكادر السينمائي، صورة الواقع، صورة المتخيّل القادم، وغير ذلك من مدلولات الصورة التي تتضح في نصوص المجموعة الشعرية التي بين أيدينا.
تنطلق نصوص الشاعر في تلك المجموعة من الإنسان وما يعانيه في هذا الفضاء الكوني، وتلتصق به لترسمَ أوجاعه وتغيرات واقعه، وهشاشة هذا الإنسان وضعفه في مواجهة تلك الآلة الشرسة التي تطحنه تروسها، وتضعه في مواجهة تشيئه الذي هو ضدّ إنسانيته التي خلق بها، فتفقده عواطفه ومشاعره الحية النابضة، فيتحول إلى وحشٍ، أو مسخٍ مشوه لا يملك إلا الخضوع والإذعان لبطش آلة الزمن التي تسقطه في براثنها كلما حاول الوقوف والمواجهة، في نص بعنوان "الأعداء" يقول:
يلوثون حليبَ الأرض
غير عابئين بشتائم
وغضبِ الحقول
يطاردون الفرحَ الطازجَ
حتى يصبح حزناً
يبعثون برماحهم وراءَ ابتسامةٍ
حتى تغدو بُكاءً ص 28
يرسم الشاعرُ بقلمه صوراً مغايرة للأطفال والرجال والنساء والفقراء والطيبين والطغاة واللصوص والأصدقاء والأعداء وغيرهم، من خلال لغة استثنائية يغلب عليها التصوير والوصف الذي لا يعني الثرثرة المجانية، بل الوصف الدقيق المؤطر الذي جاء عن تجربةٍ ومعايشةٍ، دون أن يفقد هذا نصّه الشعريّ عناصره الإبداعية من خيال ومجاز وانزياحات دلالية، وفي الوقت نفسه يفتح للمتلقي أبواب التأويل حسبما يُرتأى، فكما قال الشاعر الكبير حميد سعيد في تقديمه للديوان "إن محاولة الخروج من جغرافية المألوف والمكرر لا يجدد النص الشعري فحسب، بل يجدد نمط القراءة".
إن القدرة على التقاط الصورة الشعرية تتفاوت من شاعر لآخر، كذا ترجمة تلك الصورة إلى نص يلامس إنسانية الكائن البشري تختلف من شاعرٍ لآخر، بحسب رؤية الشاعر وقدرته على الترميز، والمهارة في رسم تلك الصورة دون الجنوح بها إلى الغموض المبالغ فيه، وكذا قدرته على ملائمة تلك الصورة لجسد المتن الشعري، مبتعداً بها عن الاكتناز والترهل، في نص بعنوان "الطيبون" يقول:
ورثة الأرض الافتراضيون
والعالمُ في تأملاتهم تحية صباحٍ
في كل خطوة لهم على الأرض
تنبت شجرة
وفي كل دمعةٍ يسكبونها
يتفجر نهرٌ
مدينون بطيبتهم لآلامهم ص 26
النص هنا لا يعتمد على الصور البيانية قدر اعتماده على الصور الإنسانية، وتذويب تلك الصور في متن النصّ لتعرية الواقع ، وتحميل النصّ حمولات دلالية مختلفة، تصل به إلى المتلقي من أقرب طريق، أعني طريق المشاركة الوجدانية على اعتبار أن المتلقي شريك في النص، وليس هامشاً زائداً عن الحاجة.
إذن نحنُ هنا بإزاء حالة شعرية مغايرة، ومحاولة للخروج من ربقة الشكل الشعري المعتمد على اللغة الشعرية المقروءة كأساس أول، إذ الصورة هنا هي استعمار تلك التجربة والتي تنبني عليها كل مكونات النص الشعريّ الأخرى من لغةٍ وخيالٍ ومحسناتٍ بديعية، يصف "اللصوص" فيقول:
ليسَ هناك من لصوصٍ حقيقيين
سوى الذين يكذبون على الله
وفي نهارٍ مشمسٍ
يورّطون المواطن في نفسهِ
ويسرقون الوطن
أرواحهم صحراء
كما منازلهم فارغة موحشة
إلا من القلق والرطوبة والظلام ص 24
استطاع الشاعر – عِذاب الركابي أن يحشدَ في نصوصه خبراته الحياتية، وتجاربه التي مرّ بها وطبعت آثارها على نفسيته، وبالتالي على نصه الشعري، ومن خلال ثقافته العميقة التي تتضح بجلاء من خلال كتاباته السابقة، وممارساته النقدية الثقافية، لذا جاءت نصوصه عميقة تحمل وعياً مختلفاً ورؤىً ذات مضامين تلتصق بالإنسان، تتوالد من تلك المضامين صور متشعبة، تجمع شتاتها صورة الإنسان، من خلال لغة سيميائية تترجم تلك الرؤى ذات حساسية واضحة وخصوصية دون افتعال، يتحدث عن "العشاق" بقلب عاشق فيقول:
العشاق أشجار تبوس الأفق
وتتغذى على طل السماء
جذورها تتعانق على تراتيل
سورة الماء
واللقاءات الواقعية والافتراضية
من وجهة نظر العصافير ص 20
إن درامية النص الشعري هنا واضحة، حركية الصورة، ونبض الكلمة، وانزياحاتها المتعددة، تلك الدراما التي تخلق من النصّ الشعري شكلاً مغايراً تغلب عليه دينامية الحياة، وتظهر اللغة فيه متناً أنيقاً يعبر عن عشوائية الهامش من خلال لوحاتٍ متتابعةٍ تعيد تعريف الحياة، وتعيد ترتيب "البازل" المتناثر، لتصنع وجهاً جميلاً لحياة يأملها الشاعر ونأملها معه.
|